الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ٢١20
بن عمر
أخرج الإمام الربيع بسنده العالي أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عبد الله قال: قدم رجلان من المشرق، فخطبا، فأعجب الناس بيانهما فقال رسول الله:
"إن من البيان لسحرا 21. قال الربيع إنما يعني بالبيان المنطق فلا يزال بالناس حتى يأخذ قلوبهم وأسماعهم. أي: لأنه يستميل النفوس ويؤثّر فيها كما يؤثر السحر، شبه به بجامع التأثير في النفس، لأن النّاس يُصغون إلى المتكلّم إذا كان فصيحاً في كلامه، وبليغاً في منطقه، بخلاف ما إذا كان ثَرْثَاراً، فإنهم لا يُصغون إلى كلامه، ويستثقلونه، ويملُّون سماعه، فإن استعمل هذه القوّة البيانيّة في الخير والدفاع عن الحق، والردّ على الباطل، والدعوة إلى الله ورسوله الله فهو مأجور، أما إن استعملها بضد ذلك، فاستعملها في نُصرة الباطل، وهدم الحق فهو آثم، وهذا هو المذموم. ولذا فالبيانُ يفارق السحر في الحكم؛ فالبيانُ محمود ليس حراماً، والسحر
مذموم حرام. قال النور السالمي: وقوله: "إن من البيان لسحرا" أي: إنَّ بعض البيان سحر؛ لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل، ويكشف عن حقيقته؛ بحسن بيانه فيستميل القلوب كما تستمال بالسحر.
وقال بعضهم: لما كان في البيان من إبداع التركيب وغرابة التأليف ما يجذب السامع ويخرجه إلى حد يشغله عن غيره شبه بالسحر الحقيقي فقيل: هو السحر الحلال.:وقيل معناه أنَّ من البيان ما يكتسب به من الإثم كما يكتسبه الساحر بسحره فيكون في معرض الذم والأول أظهر. وبه فسّر الربيع رحمه الله تعالى.
21 - مسند الإمام الربيع ح.37. والبخاري، ح 5767.