الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ٨٩88
الأخلاق، وفيه جواز المبالغة في استعمال المجاز، وَأَنَّها ليست كذبا، ولا توجب الحنتَ في الأيمان للعلم بِأَنَّهُ كان يضع العصا عن عاتقه في حالة نومه وأكله وغيرهما، ولكنَّه لما كثر حمله للعصا أطلق عليه هذا اللفظ مجازا.
وقيل: كان الشافعي جالسا بين يدي مالك بن أنس، فجاء رجل فقال لمالك: إنّي رجل أبيع القماري، وإنّي بعتُ في يومي هذا قمريًّا، فردَّه عليَّ المشتري، وقال: قُمرتك لا يصيحُ، فحلفتُ له بالطلاق إِنَّهُ لا يهدأ من الصياح.
فقال له مالك: طلقت زوجتك ولا سبيل لك عليها، وكان الشافعي يومئذ ابن أربع عشرة سنة فقال لذلك الرجل: أيهما أكثرُ؟ صياح قمرتك أم سكوته؟ فقال: لا بل صياحه، فقال: لا طلاق عليك.
فعلم بذلك مالك، فقال: من أين لك هذا؟ فقال: لأنَّك حدثتني عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة أنَّ فاطمة بنت قيس قالت: يا رسول الله إنَّ أبا جهم ومعاوية خطباني، فقال: " أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم
عصاه
عاتقه" عن
فلا يضع وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ أبا جهم كان يأكل وينام ويستريح، وقد قال: لا يضع عصاه على المجاز، والعرب تجعل أغلب الفعلين كمداومته، وَلَما كان صياح قمري هذا أكثر من سكوته جعلته كصياحه دائما. فتعجب مالك من احتجاجه فقال له: اِفْتِ فقد آن لك أن تُفتي، 109 فأفتى من تلك
السن.
109
109 - في كتب السنن قائل هذه المقولة "افْتِ فقد آن لك أن تُفتي" للشافعي شيخه مسلم بن خالد الزنجي - إمام أهل مكة ومفتيها " أن ذاك؛ كما في معرفة السنن والآثار للبيهقي 198/ 1 ح 370 و الشافي في شرح مسند الشافعي 51/ 1، وكوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري للشنقيطي