الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ١٢٥124
مقارنة بين هذه القاعدة وقاعدة "الأمور بظواهرها"
اعلم أنَّ هذه القاعدة ليست مخالفة لقاعدة "الأمور بظواهرها" أي: بالألفاظ في العقود دون البحث في النيات والقصود؛ بمعنى أنَّ الناس يعاملون بما أظهروه من أفعال وتروك وأقوال، ومن جملة ذلك العقود والعهود والمواثيق التي يعقدونها فيما
بينهم.
وإنما هي متفقة معها كل الاتفاق؛ لأن تلك القاعدة إنما هي فيما إذا لم يقترن باللفظ ما يخرجه عن المعنى الموضوع له، لفظا، وهذه القاعدة فيما إذا اقترن به ما يخرجه عن ذلك من القرائن والمقاصد.
ويتضح
لك ذلك بما إذا عرفت أنَّ اللفظ باعتبار مطابقة القصد من عدمه له ثلاثة أحوال إما أن تظهر مطابقة القصد للفظ ففي هذه الحالة يجب حمل الكلام على ظاهره، ولا يجوز إهمال لفظه، بل تحمل ألفاظ المتكلم في هذه الحالة على حقائقها، وهذا حق لا ينازع فيه ذو فهم صائب.
وإما أن نعلم يقيناً أو يغلب على ظننا أنَّ المتلفّظ باللفظ لا يريد حقيقته ولا معناه الظاهر منه، أي: إننا نعلم قطعاً أنه لا يريد حقائق هذه الألفاظ ولا معانيها.
وهذا له حالتان إحداهما أن نعلم أنه لا يريدها كما أنه لا يريد غيرها، وإنما جرت على لسانه من غير إرادة لا لمعناها ولا لغير معناها، فهذا الكلام لغو لا حكم له شرعاً، وذلك ككلام النائم والمغمى عليه والمجنون والناسي والمخطئ ولو من شدة فرح أو غضب.