الجزء التاسع
الجزء ٩ · صفحة ٢٦٢261
الخدمة والطاعة، إلاّ أنْ نُطْلِقَ لهم رياحَ النَّيْل والطماعة، بيد أنهم لم يعدموا من الوجل والخوف في قلوبهم، ممّا رأوا بأسنا سالفا وأنفا، ضحى وبياتا، لمن نبذ كتاب الله وراء ظهره وركب محارمه و محجورات، أمره ولا يكون ذلك إلا بالرجال والرجال لم يستقيموا إلاّ بالعطاء لجزيل المال.
فلعمري لو قصرتُ عن امرئ منهم مثقال حبة من خردل ممّا عوّدته نيلا وعطاء، لأصبح هائما متفكّرا في أمره متواريا بوجهه، وذكره مقصرا في خدمته، ناقضا عهده وذمته، لا يذكر اليد السالفة منّا، ولا الرحمة الخالفة من لدنا، حتى صارت مكاسب الحمد عنده، مذمّة، والسرور منه غمّة، لا يرى ذلك من الله ليس منا حتى يرضى بما قسم الله له ورَزقَه، وقدّر له نصيبه من خلقه.
لأنّ من يرى الكل من الله لا يغضب على مخلوق، ولا يفرح بما أوتي، ولا يحزن على ما فات مفوّض أمره إليه، لا يألوا جهده في خدمتنا ومعونتنا، ما أطعنا الله ورسوله، والقادة الصالحين، بل يرى ذلك أفضل القرب، وأرفع الشغل والكسب، يشكر النقير والفتيل، تأسيا بما مضى عليه السلف الصالح من فريضة الشاري، سبعة دراهم لكل شهر أو أقل من ذلك، إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) فاطر، قال الله عل: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) الصف. لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) التحريم.
وأدهى وأمرّ مِن هذا إذا صعقت علينا صواعق الجبابرة، ونعقت فينا نواعق الملوك والأكاسرة ابتغاء سلب دين الله من أهليه وقتل حزبه وذويه، وإحياء بدعة الشياطين، وتملّك دعوة السلاطين، فإن لم يُنزَل كلُّ امرئ منزلته من النيل