الجزء التاسع
الجزء ٩ · صفحة ٤٣٣432
الخلافة الإسلامية في ذلك القطر، دار الخلافة الإباضية آنذاك وهي تبعد عن تيهرت القديمة بمقدار خمسة أميال أو مراحل، وهناك من قال بمقدار مرحلة واحدة، وأما تيهرت القديمة فكانت مدينة بربرية لملوك البربر، ثم سيطر عليها الرومان وجعلوها أسقفية نصرانية، وقد غزاها عقبة بن نافع بن عبد قيس القرشي الفهري واحتلها، فأصبحت عاصمة لنواحيها فظهر فيها بعض الأمراء كعبد الخالق، وابن بخاته، ولما وصل إليها الإمام عبد الرحمن بن رستم كان يسيطر عليها قوم من البربر يدعون "برفجانة " فبنى الإمام عبد الرحمن بقربهم تيهرت الحديثة وتقع " تيهرت الحديثة" العاصمة الرستمية على بعد 9 كيلومترات من تيهرت اليوم وتبعد عن مدينة الجزائر العاصمة في الشمال الشرقي بحوالي 430 كلم، وتفصلها مسافة 240 كلم عن مدينة وهران في الشمال الغربي، وتعرف تيهرت اليوم باسم " تيارت " وهو اسم فرنسي محرف عن تيهرت وهي مكتبة ضخمة جدا بها نفائس المخطوطات الثمينة في شتى العلوم الدينية والدنيوية، والسبب الذي دفع أبا عبد الله الشيعي إلى التوجه إلى تيهرت هو أنَّ الامام ابا حاتم يوسف بن محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي إمام تيهرت بعدما استقرت له الأمور وقام بالعدل في الرعية وكان عمه يعقوب بن أفلح يرى أنه الأحق بالامامة وأضمر له العداوة فدارت الحرب بينه وبين الإمام أبي حاتم انتصر فيها الإمام أبو حاتم واستمرت إمامته لمدة أربعة عشرة سنة، قام خلالها بالكثير من الإصلاحات والإنجازات، إلا أنه لم يستطع أن يجتث جذور الفساد الذي استشرى في الأسرة الرستمية، التي راحت تتقاتل على الملك، فكان ذلك سببا لزوال ملكها وغروب شمسها، فادعى أبناء اليقظان أنهم أحق بالإمامة من الإمام أبي حاتم، فقاموا بقتل الإمام أبي حاتم جورا وعدوانا وكان ذلك في سنة 294 هـ، فنصبوا أباهم اليقظان محمد بن أفلح بن عبد الوهاب فذهبت ابنة الإمام أبي حاتم "دوس" وقيل "دوسرة " عند أبي عبد الله الشيعي الداعي لإمامة عبيد الله المهدي الفاطمي، واشتكت إليه من غدر اليقظان وبنيه بأبيها وقتله ظلما وعدوانا، ووعدته أن يتزوجها إن هو أخذ لها بثأر أبيها، فدخل الشيعي تيهرت وذلك في عام 296 للهجرة / 909 الملقب بالميلادي، وقبض على اليقظان وبنيه، وقال لليقظان: من أنت؟ قال: أنا اليقظان، قال: بل أنت الحيران، ما الذي دفعكم إلى قتل أميركم فسلبتم ملكه، وأطفأتم نور الإسلام بغير سبب، وألقيتم بأيديكم إلينا بغير قتال؟! الخ ما قال. ثم أمر بهم فقتلوا جميعا؛ وأحرق المكتبة بما فيها من تراث لا يوجد له مثيل في الأقطار الإسلامية لا سيما علوم القرآن والحديث، منها ديوان الامام جابر أكمله، والمدونة الكبرى بكامل أجزائها ومسند الامام الربيع وغيرها من المؤلفات الثمينة، التي كانت تزخر بها المكتبة في شتى العلوم كالطب والهندسة والفلك
عمهم