الجزء التاسع
الجزء ٩ · صفحة ٤٩٤493
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانَّا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (2) يوسف. إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) الزخرف.
ففي قوله: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) بعد قوله: عَرَبِيّاً) زيادة بيان فيه دليل واضح على أنه يجب أن يفهم القرآن على أساليب اللغة العربية التي نزل بها، واشتقاقاتها وتصاريفها، ولما كان القرآن هو مصدر الدين الذي نزل من رب العالمين وهو صالح لكل زمان ومكان ولكل أمر من أمور الدنيا والآخرة، فلا بد أن يفهم من هذا الطريق، الذي ارتضاه له الحق سبحانه وتعالى، وإلا فلا يمكن أن يعقل، ولا يمكن أن يفهم فهما صحيحا كما أراده منزله الواحد الأحد، وبعدم عقله الصحيح يكون خراب الدين، وإذا خرب الدين خربت الدنيا والآخرة على من وقع في ذلك. ولولا القرآنُ لكانت اللغة العربية - بسبب رمي أهلها لها واستبدالهم عنها لغة عدو الإسلام والمسلمين في عداد المفقودين، ولأصبحت في عداد اللهجات المحلية، البائدة، واضمحل وجودها نهائيًا، كما اضمحل كثير من الأمم السالفة ولغاتهم الغابرة، ولم يبق لهم وجود ولا ذكر، إلا ما ورد ذكره في كتاب الله و عبرة وعظة لهذه الأمة الخاتم.
ولولا القرآن ما وصل إلينا من الإسلام شيء، بل لولا القرآن لم تبق لنا لغتنا العربية الفصحى متألقةً عبر القرون، ولولاه لم تخرج من محيطها الضيق في جزيرة العرب لتكون لغة الدين والدنيا، يجهد أبناء العجم في بنائها كأبَرٍ أبنائها، خدمةً لكتاب الله الذي شرف الله به لغة العرب، وحُبًّا في النبي العربي -- الذي أنقذ الله به الإنسانية، ولولا القرآنُ لما انسلخ العرب من عاداتهم السيئة، وتحرروا من أوهامهم المطبقة، وخرجوا من مجتمعاتهم الضيقة، التي كانوا فيها أشبه بالسباع المفترسة في غاباتها، يأكل الكبير الصغير، ويعدو القوي على الضعيف، فقد أخرجتهم هدايةُ القرآن من هذا المحيط الضيّق الذي كانوا يعيشون فيه، إلى