الجزء التاسع
الجزء ٩ · صفحة ٥١٤513
فقد ذكر أنَّ الإعراب له تأثير بيّن في الأحكام الفقهية وتوجيهها؛ فالمعاني تختلف باختلاف وجوه الإعراب، ويختلف الحكم تبعاً لذلك، وعلى سبيل المثال: لو قال شخص: له عندي مائة غير درهم. برفع (غير) لكان مقراً بالمائة كاملة؛ لأن «غير» هنا صفة للمائة، وصفتها لا تنقص شيئاً منها" 647 ولو قال: له عندي مائةٌ غير درهم بنصب (غير) لكان مقراً بتسعة وتسعين درهماً؛ لأنه استثناء، والاستثناء إخراج ما بعد حرف الاستثناء من أن يتناول ما قبله. ولو قال لزوجته: أنت طالق إن دَخَلْتِ الدار. بكسر همزة (إن)؛ لم تطلق حتى تدخل الدار؛ لأن (إن) للشرط. ولو قال: أنت طالق أنْ دَخَلْتِ الدار. بفتح همزة (أن)؛ وقع الطلاق في الحال؛ لأن معنى الكلام أنت طالق لأنك دخلت الدار؛ أي: من أجل أنك دخلت الدار؛ فصار دخول الدار علة طلاقها لا شرطاً في وقوع طلاقها 648 ويروى أنَّ الكسائي كُتِبَ إليه: ما تقول في رجل قال:
فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن … وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم فأنت طلاق والطلاق عزيمة … ثلاث ومن يخرق أعق وأظلم
فقال الكسائي: إن كان رفع العزيمة ونصب الثلاث، فهي ثلاث تطليقات. وإن كان نصب العزيمة ورفع الثلاث فهي واحدة.
يريد أنه إذا رفع العزيمة ونصب الثلاث صار التقدير، فأنت طلاق ثلاثاً، والطلاق عزيمة على التقديم والتأخير. وإذا نصب العزيمة ورفع الثلاث لم ينو بثلاث التقديم، وصار التقدير: فأنت، طلاق، وتم الكلام، ثم قال: والطلاق في حال عزيمة المطلق عليه ثلاث فلم يكن في هذا الكلام ما يدل على أن هذا المطلق عزم على الثلاث، فقضى عليه بواحدة
647 - شرح المفصل، لابن يعيش، 11/ 1. 648 - انظر: معاني الحروف للرماني، ص 174، والتنبيه للبطليموسي، ص 188، وشرح المفصل، 12، وانظر الموافقات للشاطبي، وما حصل مع أبي يوسف والكسائي، 1/ 84.