الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٥٤تطبيقات القواعد الفقهية
152
وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ مَعًا وَشَكٍّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِضِدِ مَا قَبْلَهُمَا: فَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْدَنَّا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَرٌ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الْحَدَثِ وَشَكَ فِي انْتِقَاضِهَا، حَيْثُ لَا يَدْرِي هَلْ الْحَدَثُ الثَّانِي قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا؟، وَإِنْ كَانَ مُتَطَيَّرًا وَكَانَ يَعْتَادُ التَّجْدِيدَ فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثُ لِأَنَّهُ مُتَيَقِنٌ حَدَنَّا بَعْدَ تِلْكَ الطَّهَارَةِ وَشَكٍّ فِي زَوَالِهِ حَيْثُ لَا يَدْرِي هَلْ الطَّهَارَةُ الثَّانِيَةُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ أَمْ لَا؟
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ: مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْأَصْلِ حَدَثًا كَانَ أَوْ طَهَارَةً، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَالطَّبَرِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ كَثِيرًا فَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ أَيْقَنَ بِالْحَدَثِ وَشَكَ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّ شَكَّهُ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً وَأَنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ فَرْضًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّكَ عِنْدَهُمْ مُلْغَى، وَأَنَّ الْعَمَلَ عِنْدَهُمْ عَلَى الْيَقِينِ، وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الْفِقْهِ فَتَدَبَّرُهُ وَقِفْ عَلَيْهِ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا جَاءَ عَنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتْ دَمَ الْحَيْضِ وَلَمْ تَدْرِ وَقْتَ حُصُولِهِ فَإِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ مَنْ رَأَى مَنِيًّا فِي ثَوْبِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ وَقْتَ حُصُولِهِ، أَيْ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُعِيدَ الصَّلَاةَ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ، وَهَذَا أَقَلُّ الْأَقْوَالِ تَعْقِيدًا وَأَكْثَرُهَا وُضُوحًا.