تطبيقات القواعد الفقهية زهران بن ناصر بن سالم البراشدي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٦١

تطبيقات القواعد الفقهية

59

الوجه الأول: أن العلة تختص بمحال الحكم أينما أتت ألا ترى أن الزنا كلما كان علة في الجلد كان حاصلا في محل الجلد، وكذلك القتل في القصاص، ونظائر ذلك كثيرة، ولا يلزم ذلك في السبب، ألا ترى أن وقت الصلاة ليس حاصلاً في محلّ الصلاة، وكذلك وقت الزكاة، وقد يخص السبب بمحل الحكم، كرؤية الهلال، فإنها سبب وجوب الصوم، ومحلها واحد. الوجه الثاني: أن العلة لا تستلزم التكرار والاستمرار، كالقتل والزنا، بخلاف السبب فإنه يستلزم ذلك، كالدلوك لوجوب الصلاة، والمعنى أن العلة قد تتكررّ وقد لا تتكرّر، والسبب لا يكون إلا

متكرّرًا.

الوجه الثالث: أنَّ العلة لا يشترك فيها إلا من اشترك في الحكم، ويشترك في الحكم عند من منع تخصيصها، ألا ترى أن قتل العمد العدواني إذا اشترك فيه جماعة اشتركوا في الحكم، وهو وجوب القصاص، وكذلك ما أشبهه، بخلاف السبب فقد يشترك فيه من لا يشترك في حكمه، ألا ترى أن دخول وقت الصلاة لا يقتضي وجوبها على كلّ مكلّف، وكذلك الحول لا يقتضي وجوب الزكاة على كل من حال عليه. وهذه الفروق إنما تكون بين العلة والسبب الخاص. ثم إن السبب قد يضم إليه الحكم في موضع، وقد لا يضم إليه في موضع آخر، بخلاف العلة، فإنها لا تكون إلا وحكمها مضموم إليها، حتى لو فارقها لم تكن علة أصلاً، وهذا من الفرق بين العلة والسبب، أيضًا. فالسبب نوعان: نوع لا يضم إليه الحكم، وهو السبب الحقيقي عندهم، وذلك كنقب الجدار، فإن ناقبه لا يضمن إلا قيمة النقب، حتى لو جاء اللص فدخل من ذلك النقب، فحاز ما في البيت وذهب به، لا يضمن الناقب لما أخذ اللص، بل ضمان ذلك على اللص نفسه، وعلى الناقب قيمة قص الجدار، أي نَقْبُهُ، وكذلك لا يضمن من أمر بالغا بالسرقة أو قطع طريق، - ما لم يكن الأمر سلطانًا على المأمور - بل ضمان ذلك على فاعله، وكذلك لا يشارك الدال على حصن العدو الجند في الغنيمة، ما لم يكن معهم، وهكذا فيما أشبه ذلك.

وأما النوع الذي يضم إليه الحكم، ويسمى سببًا مجازيا، فهو نحو حفر البير في ملك الغير تعديا، فإن حافره كذلك يضمن ما أتلفه البير، فلو وقع حيوان أو آدمي مثلا في البير، كان الحافر ضامنًا له، فحفر البير سبب لتلف التالف فيه، لكن بواسطة الوقوع، فالوقوع في البير هو علة التلف، وحفر البير سبب لذلك، وقد ضم الحكم في هذه الصورة إلى السبب لكونه مشابها للعلة في التأثير. وكذلك قيادة الدابة وسوقها، وقطع حبل القنديل ونحو ذلك، فإن هذه الأشياء أسباب لكنها مشابهة للعلل، فيضم إليها الحكم كالعلل، فيضمن قائد الدابة وسائقها ما أتلفته الدابة بمقدمتها،