الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٣٧تطبيقات القواعد الفقهية
435
وَلَهُ فِي الْحَدِيث نَظَائِرِ، وَقَدْ أَخَذَ أَحْمَد بْن حَنْبَل بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا وَعَمِلَ بِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيمِ: مَنْ مَنَعَ زَكَاة مَاله أُخِذَتْ وَأُخِذَ شَطْرُ مَالِهِ عُقُوبَةً عَلَى مَنْعه، وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيد لَا يُؤْخَذ إِلَّا الزَّكَاةَ لَا غَيرِ، وَجَعَلَ هَذَا الحَدِيث مَنسُوخًا، وَقَالَ كَانَ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَتْ الْعُقُوبَات فِي الْمَالَ ثُمَّ نُسِخَت وَمَذهَب عَامَّة الفُقَهَاءِ أَنْ لَا وَاجِب عَلَى مُثْلِف شَيْء أَكْثَرُ مِن مِثلَه أَوْ قِيمَته.
"قَوْله " فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْر مَاله:" أَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْغُلُولُ فِي الصَّدَقَة وَالْغَنِيمَة لَا يُوجِب غَرَامَة فِي الْمَالِ، وَقَالُوا: كَانَ هَذَا فِي أَوَّلُ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ.
وَاسْتَدَكَ الشَّافِعِي عَلَى نَسْخه بِحَدِيثِ الْبَرَاء بْن عَازِب فِيمَا أَفْسَدَتْ نَاقَتِهِ، فَلَمْ يُنْقَل عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَضْعَفَ الْغُرْمِ، بَلْ نُقِلَ فِيهَا حُكْمِه بِالصَّمَانِ فَقَطْ.
وَقَالَ بَعضهمْ: يُشبِه أَنْ يَكُون هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّوَعُّد، لِيَنتَهِيَ فَاعِل ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضهمْ: إِنَّ الْحَقِّ يُسْتَوْفَى مِنْهُ غَيْر مَتْرُوكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَلِفَ شَطْرُ مَالِهِ، كَرَجُلٍ كَانَ لَهُ أَلْفِ شَاة، فَتَلِفَتْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا عِشْرُونَ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذْ مِنْهُ عَشْرِ شِيَاهِ لِصَدَقَةِ الْأَلْفِ، وَهُوَ شَطْر مَاله البَاقِي أَوْ نِصفه، وَهُوَ بَعِيد؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِنَّا آخِذُوا شَطْر مَالهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمِ الْحَرْبِيّ: إِنَّمَا هُوَ: "وَشَطَر مَالَهُ أَيْ جَعَلَ مَالَه شَطْرَينِ، وَيَتَخَيَّرِ عَلَيْهِ الْمُصَدِّقِ فَيَأْخُذ الصَّدَقَة مِنْ خَيْرِ النِّصْفَيْنِ؛ عُقُوبَة لِمَنْعِهِ الزَّكَاةِ. فَأَمَّا مَا لَا يَلْزَمَهُ فَلَا.
-1 - حَاشِيَةُ السّيُوطِيّ على النسائي 17/ 5 وسيأتي حديث عمر ص 348.