الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٨٢تطبيقات القواعد الفقهية
480
فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ إِذَا اعْتَقَدَ اسْتِحْبَابَ فِعْلٍ وَرُجْحَانَهُ يُحَافِظُ عَلَيْهِ مَا لَا يُحَافِظُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ الْأَمْرُ إِلَى الْهَوَى وَالتَّعَصُّبِ وَالْحَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، كَمَا
تَجِدُهُ فِيمَنْ يَخْتَارُ بَعْضَ هَذِهِ الْأُمُورِ فَيَرَاهَا شِعَارًا لِمَذْهَبِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ إِذَا رَأَى تَرْكَ ذَلِكَ هُوَ الْأَفْضَلُ، يُحَافِظُ أَيْضًا عَلَى هَذَا التَّرْكِ أَعْظَمَ مِنْ مُحَافَظَتِهِ عَلَى تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ الْأَمْرُ إِلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى وَالْحَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، كَمَا تَجِدُهُ فِيمَنْ يَرَى التَّرْكَ شِعَارًا لِمَذْهَبِهِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ خَطَةٌ. وَالْوَاجِبُ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ ذِي حَقٍ حَقَّهُ، وَيُوَسِعَ مَا وَسَّعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُؤَلَّفَ مَا أَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَرَسُولُهُ، وَيُرَاعِي فِي ذَلِكَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، بَعَثَهُ بِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فِي كُلِّ أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ.
وَأَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِنْسَانِ مِنْ التَّفْصِيلِ مَا يَحْفَظُ بِهِ هَذَا الْإِجْمَالَ، وَإِلَّا فَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَعْتَقِدُ هَذَا مُجْمَلًا، وَيَدَعُهُ عِنْدَ التَّفْصِيلِ إِمَّا جَهْلًا، وَإِمَّا ظُلْمًا، وَإِمَّا اتِّبَاعًا لِلْهَوَى، فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَنَا الصِرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصَّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.
- الفتاوى الكبرى لابن تيمية ج 2 الصلاة بعد الأذان الأول يوم الجمعة.