تطبيقات القواعد الفقهية زهران بن ناصر بن سالم البراشدي

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٩٥

تطبيقات القواعد الفقهية

93

وَالثَّانِي: أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ أَهَمُّ مِنْ أَدَاءِ الْأَرْكَانِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَالْأَرْكَانَ فَرَائِضُ الصَّلَاةِ لَا غَيْرِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّ سُقُوطَ هَذِهِ الْأَزَكَانِ إِلَى الْإِيمَاءِ جَائِزٌ فِي النَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَالْمُتَنَفِّلِ عَلَى الدَّابَّةِ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ لَا تَسْقُطُ فَرْضِيَّتُهُ قَطُّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَكَانَ أَهَمَّ، فَكَانَ مُرَاعَاتُهُ أَوْلَى، فَلِهَذَا جَعَلْنَا الصَّلَاةَ قَاعِدًا بِالْإِيمَاءِ أَوْلَى، غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ صَلَّى قَائِمًا بِرُكُوعِ وَسُجُودٍ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَرَكَ فَرْضًا آخَرَ فَقَدْ كَمَّلَ الْأَرْكَانَ الثَّلَاثَةَ وَهِيَ: الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، وَبِهِ حَاجَةٌ إِلَى تَكْمِيلِ هَذِهِ الْأَرْكَانِ، فَصَارَ تَارِكًا لِفَرْضِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ أَصْلًا لِغَرَضِ صَحِيحٍ، فَجَوَّزْنَا لَهُ ذَلِكَ لِوُجُودِ أَصْلِ الْحَاجَةِ، وَحُصُولِ الْغَرَضِ، وَجَعَلْنَا الْقُعُودَ بِالْإِيمَاءِ أَوْلَى لِكَوْنِ ذَلِكَ الْفَرْضِ أَهَمَّ، وَلِمُرَاعَاةِ الْفَرْضَيْنِ جَمِيعًا مِنْ وَجْهِ. وَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوا مِنْ الْمَعْنَى، وَتَعَلُّقُهُمْ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيع حُكْمًا، حَيْثُ أُفْتُرِضَ عَلَيْهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ، ثُمَّ لَوْ كَانُوا جَمَاعَةً يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فُرَادَى؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ فَإِنْ قَامَ الْإِمَامُ وَسَطَهُمْ احْتِرَازًا عَنْ مُلَاحَظَةِ سَوْأَةِ الْغَيْرِ فَقَدْ تَرَكَ سُنَّةَ التَّقَدُّمِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَالْجَمَاعَةُ أَمْرٌ مَسْئُونٌ، فَإِذَا كَانَ لَا يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِارْتِكَابِ بِدْعَةٍ، وَتَرْكِ سُنَّةٍ أُخْرَى لَا يُنْدَبُ إِلَى تَحْصِيلِهَا، بَلْ يُكْرَهُ تَحْصِيلُهَا، وَإِنْ تَقَدَّمَهُمُ الْإِمَامُ وَأَمَرَ الْقَوْمَ بِغَضِ أَبْصَارِهِمْ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَا يَسْلَمُونَ مِنْ الْوُقُوع فِي الْمُنْكَرِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَلَّمَا يُمْكِنُهُمْ غَضُّ الْبَصَرِ عَلَى وَجْهِ لَا يَقَعُ عَلَى عَوْرَةِ الْإِمَامِ، مَعَ أَنَّ غَصَّ الْبَصَرِ فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهُ أَيْضًا، نَصَّ عَلَيْهِ الْقُدُورِيُّ؛ لِمَا يُذْكَرُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ أَنْ يَنْظُرَ فِي كُلِ حَالَةٍ إِلَى مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ لِيَكُونَ الْبَصَرُ ذَا حَظِّ مِنْ أَدَاءِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ وَالْأَطْرَافِ، وَفِي غَضِ الْبَصَرِ فَوَاتُ ذلِكَ، فَدَ أَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى تَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ إِلَّا بِارْتِكَابِ أَمْرٍ مَكْرُوهِ فَتَسْقُطَ