النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

المنقحة المسكنة الخطة المرنة

إنَّه الورعُ الزكي الفطنُ الذكيُّ الدَّيِّنُ النقي المعترف بفضله البدوي والحضري، إِنَّهُ مَن كان إسلامه فتحا وهجرته نصرًا وإمارثه رحمةً إنَّه مَن إذا سلك فجًا سلك الشيطان غير فجه، إنَّه مَن يدور معه الحق حيث دار ما طلعتِ الشمس، ولا غربت على رجل خير منه، إِنَّهُ مَن قَالَ له النبيُّ): " لا تنساني يا أخي من دعائك "، إنَّه مَن نزل القرآن العظيم بموافقته، صاحب الفتوحاتِ وممصرُ الأمصار أمير المؤمنين أبو حفص الفاروق عمر بن الخطاب العدوي القرشي.

عنه

-

28

ذكر أهلُ السير أنَّه في السنة الثامنة عشر للهجرة، أصابَ الناسَ مجاعة شديدة وجدبٌ وقحط واشتدَّ الجوعُ؛ وماتت المواشي جوعًا، فسُمي عام الرمادةِ، وأقسم حاكم الدولة أمير المؤمنين عمر ألا يذوق سمنًا ولا لبنا ولا لحمًا حتى ترتفع هذه المجاعة والشدة عن الناس، واشترى غلام له إناء صغيرًا به سمن، وسقاء من لبن، وجاءَ به إلى عمر ـ رضيَ اللهُ فرفض أخذه، وقال له: تصدق به، وكان وجهه شديد الحمرة، فتغيَّر لونه في عام الرمادة، وأصبحَ كاسفًا مِنَ الجوع والشدة التي لحقته وهو أمير المؤمنين وقد سجل التأريخ أنَّه خرج في إحدى الليالي فمرَّ بقرب خيمة أعرابي فسمع صوت امرأة تصرخ وتستغيث، بينما الأعرابي مضطجع دون اكتراث، فسأله عمَّا يجري فأجابه: امرأةٌ تلد، فأسرع عمرُ عائدًا إلى بيته وطلب من زوجته أن ترافقه، ومر ببيت مال المسلمين، فحمل منه كميةً مِنَ الدقيق على ظهره كما أخذَ مقدارًا مِنَ السمن، وسار مسرعًا إلى خيمة الأعرابي، ودخلت زوجة الخليفة لتساعد المرأة في مخاضها، بينما انشغل عمرُ بوقدِ النار، وطبخ الدقيق مع السمن ليصنع طعامًا تأكله المرأة بعد أن تلد كلُّ ذلك والأعرابي جالس غير مكترث بما يجري، وبعد أن تمت الولادةُ سَمِعَ الأعرابي زوجة الخليفة تقولُ بشر صاحبَك بغلام يا أمير المؤمنين، فارتاعَ البدوي وقلبَ بصرَه فرعًا لكنَّ الخليفة خفف عنه وطمأئه وانصرف مع زوجته.

152