الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦المنقحة المسكية
بكلال نهارهم، أنضاء عباده، وأطلاح سهر قد أكلتِ الأرضُ جباههم وأيديهم وركبهم، مصفرةً ألوانهم، ناحلةً أجسامُهم مِن كثرة الصيام، قد واصلوا القيام، مستقلون لذلك في جنب الله، موفون بعهد الله، مستنجزون لوعدِ الله، إذا رأوا سهام العدو، قد فوقَت، ورماحه قد أُشرعت، وسيوفه
قد انتضيت، وبرقتِ الكتيبة، ورعدت بصواعق الموتِ استهانوا بوعيد الكتيبة لوعدِ الله، فمضى الشاب منهم قدماً حتى تختلف رجلاه على عنق فرسه قد رُوِّلت محاسن وجهه بالدماء، وعُفَرَ جبينه بالثرى، وأسرع إليه سباعُ الأرض، وانحطّت عليه طيرُ السماء، فكم من مقلةٍ في منقار طائر طالما بكى صاحبها من خشية الله، وكم من كفّ بانت عن معصمها طالماً اعتمد عليها صاحبها في سجوده، وكم من خدٍ عتيق وجبين رقيق قد فلق بِعُمُدِ الحديدِ رحمةُ الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحها في الجنان.
أيُّها الإخوة المؤمنون
تعالوا معي لنطوي هذه الصفحاتِ المشرقة من تلك الأجيال الشابة المثالية في أخلاقها وسلوكها، وفي تمسكها بعقيدتها، والدفاع عن إسلامها والذود عن حياضها، تلك الأجيالُ التي عرفتِ الإسلام فعاشتُه واقعا عمليًا حيًا، تلك الأجيال التي أعدتِ الزادَ والبُلغةَ لجنة عالية قطوفها دانية، وأشفقت من هول المطلع ونار حامية تُسقى من عين أنية، تعالوا معي لنطوي تلك القرون ونقف على أحوال جيلنا المعاصر من شبابنا خاصة وللنساء حديث غيره.
إن السواد الهائل من شباب الأمة الإسلامية، يعاني من أزمة حادة في التوجيه الفكري والثقافي، ويعاني من درن الموارد التثقيفية الهزيلة الفاشلة، ومن تلوث المادة التعليمية واضطرابها، أصبحت التربية الإسلامية التي تصنعُ شابًا يقدمُ الولاء لله ولرسوله () ولأمته، وتصون أخلاقه وكرامته وعاداته وتقاليده في المؤسسات التعليمية، نصلي عليها صلاة الجنازة بعد أن غسلناها وحنطناها وحملناها على النَّعش، ولا أدري هل سنقوم بدفنها لغير رجعة أم أن أذناب الغرب سيراجعون
15