النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٧٥

لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى السبيل الأقوم

صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم؛ أمَّا بعدُ: فيا إخوة الإيمان والإسلام

العبادة

من أهم جوانب حياة الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد صفحة والذكر والدعاء والبذل، فيروى عنه - رحمه الله ورضي عنه - أنَّه لا يماكس - أي لا يجادل - في كل شيء يتقرب به إلى الله عزَّ وجل، وقد حج على ناقته أربعا وعشرين سفرة في حجة وعمرة. ونترك الإمام جابرًا يعللُ لنا لماذا كان يكثرُ الحج؟ قالَ ـ رحمه اللهُ ورضي عنه ـ: نظرتُ في أعمال البر، فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيامُ مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن، فرأيتُ أنَّ الحج أفضل أنواع البرِّ" وقال أبو الشعثاء لليل حديث وللنهار حديث، فأما حديثُ الليل فالدعاء والرغبة والموعظة والتخويف وأمَّا حديثُ النهار فالفقه في الدين "، هكذا كانت عبادته وذكره.

لم يكن الإمامُ - رحمه الله - بمعزل عن الأمة والمجتمع، ولم يكن متقوقعا على ذاته، فكان يصلي الجمعة خلف الحجاج، وإذا ما أطال الحجاج في الخطبة وحس الإمامُ خروج الوقتِ صلى إيماء؛ ولم يمتنع رغم ذلك عن الصلاة خلف الحجاج حرصًا منه على توحيد الأمة واجتماع كلمتها والالتقاء بجموع المسلمين في هذا اليوم المبارك.

ومِن ورعه - رحمه الله و رضيَ عنه ـ أنَّه أخذ قصبةً من حائط لطردِ الكلاب بها ثم مرَّ ببيته ومعه القصبة، فأمر أهله بالاحتفاظ بها لحين رجوعه مِنَ المسجدِ ليعيدها، فتعجب أهلُه مِن ذلك لقلتها، فقال لهم: " لو كان كلُّ من يمرُّ بهذا الحائط أخذَ قصبةً لم يبق منه شيء"، فأين هذا من أولئك الذين يأكلون أموال الناس خضماً وقضمًا وأين أولئك الذين يلعبون بأموال الأمة ومقدراتها في التوافه والسخافات.

174