النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

النفحال المسكية

تغفلوا عن ذكر الموتِ فإنَّه ليس بغافل عنكم ولا ناس، ومهدوا لمنقلبكم من داركم إلى بطون الأرماس، فقد كشف الحين لأهل الغفلة قناعه، فقد كشف الموتُ لأهل الغفلة قناعَه، وأطلق على صحاح الأجسام أوجاعه وحقق بكل الأنام إيقاعه، ولم يملك أحد منكم دفاعه فخفقَ مِنَ المنزول به فؤاده، وانمحق من ناظره سواده، وقلق لهول مصرعه عوَّاده، ورحمه أعداؤه وحسَّادُه، فوا قلة حيلتاه ووا لهف نفساه، فيا له من وقت تضيق فيه المذاهب، وتبدو الخيبة والمصائب، ولا ينفعُ فيه الحبائب، ولا تغني فيه النوائح والندائبُ، فأعدوا الزادَ ليوم ليس به مِن زادٍ يَأَيُّهَا النَّاسُ

و

اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِن زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْ عَظِيمُ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مرضعة عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمَلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ.

إخوة الإيمان

و

اسمعوا هذه القصة عن نبيكم وأسوتكم محمد (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه لما انصرف رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) وأصحابُه مِن خيبر أطالوا المسير حتى تعبوا تعبا شديدًا، فلما أقبل الليل نزلوا في موضع في الطريق ليناموا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " مَن منكم يحفظ علينا صلاة الفجرِ لعلنا ننام؟ " أي من منكم ييقظنا لصلاة الفجر؟ فقامَ بلال بن رباح (رضي الله عنه) ـ وكان متحمسًا لذلك - فقال: أنا يا رسول الله أحفظ لكم صلاة الفجر، فاضطجع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ونزل الصحابة الكرام فناموا، وقام بلالُ بنُ رباح (رضي الله عنه) يصلي حتى تعب، وقد كان متعبا ومنها من طول الطريق قبل ذلك، فقعد واستند إلى بعيره مستريحا، واستقبل الفجر يرمقه ينظرُه، فغلبته عيناه فنامَ، كان الجميعُ في تعب شديد، فطال نومه ونومهم، ومضى الليل، وطلع الصبحُ والكل نيام، ولم يوقظهم إلا حرَّ

(1) سورة الحج الآيات: 1 - 2.

177