النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٧٩

المنقحة المسكنة الخطة المرنة

الشمس، استيقظ النبي الكريمُ () وهبَّ الصحابة من نومهم، فلما رأوا الشمس طالعة اضطربوا، وكثر لغطّهم، الكل ينظر إلى بلال شزرًا، فأصابع الاتهام والعيون تحوره، وتتقلب فيه باستياء، فقد أوقعهم بلال في موقف محرج وحالة طارئة مخجلة، لماذا كل هذا!

أيُّها الإخوة

نعم. إنَّها صلاة الفجر وقرآنها التي تشهدها الملائكة، قال جل وعلا:

وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (نعم. إنَّها صلاة الفجر

).

و

التي قال عنها رسولُ الله أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء

و

وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا "، أي زحفًا، نعم. إنها صلاة الفجر التي يجتمعُ في وقتها ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار، فيشهدون على كل عبدٍ فيها عندَ الربِّ الجليل سبحانه وتعالى، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " يتعاقبون فيكم ملائكة. بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون في صلاة الفجر فتعرجُ الملائكةُ الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم، وهو أعلمُ بهم كيف تركتُم عبادي؟ فيقولون: " تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون "، أو تركناهم وهم نائمون وأتيناهم وهم نائمون، ووا خجلتاه إن كان هذا الأخير جواب الملائكةِ للرب الجليل سبحانه وتعالى.

ولا تزالُ الصحابة الكرام تنظرُ إلى بلال، وهو مطرق خجل ضاعت عليهم صلاة الفجر؛ فيا لله ما هذا الإيمانُ العميقُ الذي سكن في قلوب هؤلاء الصحابة.

إن عذَّبوا الجسم فالإيمانُ معتصم بالقلب مثل اعتصام الليث بالأجمِ وهنا يلتفتُ النبيُّ الكريم - عليه الصلاةُ والسلام ـ بأسلوبه الدَّمِثِ وخلقه الرفيع إلى بلال بن رباح، وقال: ماذا صنعت بنا يا بلال؟ فأجاب بلال بجواب مختصر لكنّه موضح للواقع تمامًا، قال: يا رسول الله أخذ

(1) سورة الإسراء الآية: 78.

178