الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٨المنقحة المسكية
الخطبة الحادية والثلاثون
السيدة خديجة بنت خويلد القرشية رضي الله عنها.
م اله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي اختارَ مِن عبادِه مَن صحَّ للعبادة وانتقى، وخصهم بعنايته وحباهم بالوصل واللقاء، وسقاهم بكأس تقديسهم شرابا قديمًا مروقا، فطاب كل منهم وسما من سما إلى الحضرة وارتقى، أجادوا بالموجود ولم يتركوا لحضوض النفس رمقا واستنشقت أرواحهم من الإيمان نشرًا عَبِقا، فسرى سِرُّه الخفيُّ وأرِجُها الزكي إلى الصديق، فسار على الآثار مستبقى، وإلى الفاروق فطار الشيطان منه مشؤما فرقا، وإلى ذي النورين فكان لكل خير منطلقا، وإلى أبي السبطين فأضحى في محبة الله موثقاً، وإلى ابن الجراح أمين الأمة، فكان لصولة الحق أعزَّ نفرا وإلى ابن وقاص فتراه في المعاركِ بطلا مزمجرا، وإلى ابن عوف فطلب الآخرة وازدادَ لها سهرًا، وإلى طلحةً - ولله دره - كان للعبادة واقفًا مصطبرًا، وإلى ابنة خويلد فهامت في محبة الله فكانت دموعُ أماقها تدفق
تدفقا.
نحمده سبحانه حمدًا لجنابه مفتقرًا ولجلالِه منكسرا، ونشهد أن لا إله إلا الله شهادةً لا يخالطها مرا، ولا يعكّرُ حمولها اجترى ونشهد أن محمداً عبده ورسوله ((الذي جعل الحق شاهرًا منتصرًا، وأردى الباطل زهوقا متحيراً أمَّا بعد:
فيا ابن آدم
إلى متى أنت مقيمٌ على غفلتك وجهلِك؟ إلى متى تغتر بمالك وأهلك؟ إلى متى تؤثرُ الدنيا الدنيئة وهى تسعى في قتلِك؛ إلى متى تنسى لحاقك
187