الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٩١والاضطهاد سنين عددًا، بل بعد المقاطعة التي أعلنتها قريش لتكون حربًا نفسية واقتصادية لا ترحم صغيرًا ولا ضعيفا ولا شيخا ولا امرأة؛ خرجت مع النبي (صلى الله عليه وسلم) في شعاب مكة، وأقامت معه ثلاث سنين تنصره ولا تُظهر ضجرًا أو صخبًا مِنَ العيشة في تلك الشعاب؛ وهي في ذلك الوقت قد علت بها السِّنُ، ونالت منها أثقال الشيخوخة. فما أعظم هذا الجهاد، وأنعم بهذه التضحياتِ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأَخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَتَلُوا وَقْتِلُوا لَا كَفَرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ
190
(1)
أقولُ ما قلتُ وأستغفرُ الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنَّه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنَّه هو البر الكريم.
***
صل الله
الحمد لله موالي النعم ومُبيدِ النقم، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله إلى العرب والعجم ()، وبارك عليه وعلى آله وصحبه أولي العزائم والهمم؛ أمَّا بعد:
فيا إخوة الإيمان
صل الله
وبعد وفاة خديجة الطاهرة تزوّج المصطفى (زوجات كريمات صالحات، ولكن لم يمنعه ذلك من إكثار ذكر خديجة مع علمه () أن ذلك يثير غيرة الضرائر، ولكنَّه) لم يقصد الاضرار بهنَّ، وإن كنَّ يغرن من ذلك لأن آثار الطيبةِ الكامنة في أعماق النبي (صلى الله عليه وسلم) تدفعه إلى ذلك دفعا. فهذا بيتُ عائشة بنت أبي بكر الصديق، يشهد صورة من الغيرة فقد ذكر النبي (صلى الله عليه وسلم) خديجة، فما تمالكت عائشة نفسها، فقالت: (ما تذكرُ من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر أبدلك الله
(1) سورة آل عمران الآية: 195.
190