النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٢

ايک

المنقحة المسكية

في أي لحظة في سبيل الحفاظ على دينه وعلى عقيدته، وفي سبيل الدفاع عنها، والذود عن حياضها، وهناك أمثلة رائعة ومواقف عديدة، وقفها أفراد ذلك الجيل، ذلك العالمُ الأولُ أبانوا فيها عن جوهرهم النفيس، وعن نفوسهم السامية، وتبين من خلالها للناس أجمعَ، أنَّهم قمم شامخة، لا تنال ولا تسامى في تطبيق تعاليم الإسلام

أيُّها المؤمنون

الله

إليكم هذا الموقف الرائع العظيم من إمرأة مسلمة، عاشت عصر العالم الأول، وتربت في أكناف الدعوة الإسلامية، وتغلغل حب الإسلام ونبي الإسلام في حنايا نفسها وشغافِ فؤادِها، يحدثنا التأريخ عن هذا الموقف العجيب الذي حدث يومَ أُحدٍ المعركة الإسلامية الشهيرة، ففي هذه المعركة، وعندما كان النبي (صلى الله عليه وسلم) وصحبه الكرامُ عائدين في طريقهم إلى المدينة، جاءت امرأة من بني دينار، تسألُ عمَّن استشهدَ مِنَ المسلمين، وكانت المفاجأة مؤلمة ومفجعة لها، إذ أخبرها المخبرون أن أباها وأخاها وزوجها كانوا - جميعًا - ضمن شهداء المعركة، ولكن ماذا فعلت هذه المرأةُ المسلمة عندما تلقت هذا الخبر المرعب لها؟ هل صاحت وولولت؟ هل رفعت صوتها بالثبور وعظائم الأمور؟ أو هل أسلمت نفسها بالبكاء والعويل؟ لا. إنَّه لم يحدث شيء من هذا قط، بل لم تُعر هذا الخبر أي اهتمام، لقد انبرت تسأل عن حالِ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال لها الناسُ: إنَّه بخير، والحمدُ لله، فقالت: أريد أن أراه بعيني رأسي، فأخذوها إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وعندما رأته صاحت قائلةً: كلُّ مصيبة بعدك تهون يا رسول الله، ثم أخذت بناحية ثوبه، وجعلت تقولُ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا أبالي إذا سلِمت مِن عطب - أي مِن هلاكِ - فيا لله ويا لروعة هذا الموقف تُصاب هذه المرأةُ في أعزّ مَن تملك من قرابتها - زوجها وأبيها وأخيها - وفي غمرة هذه الفاجعة الأليمةِ لا يهمُّها إلا حالُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أما المصائبُ الأخرى فما أهوئها في نظرها، إذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) بخير.

الله