الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢١النفح المسكنة الخطة المرنة
فهذا أحدهم يقولُ: أبطأت عني نفقةُ والدي، وأنا ابنُ اثنتي عشرة سنةً أطلب العلم، فاضطررت إلى أن فتقت كمي قميصي فبعثهما، ونقض أحدهم وهو في ريعان شبابه سقف بيته فباعَ خشبه ليتزود لطلب العلم، وعلى هذا النهج الرفيع تعاقبت طوائفُ الأولياء، وتوالت زمرُهم في الميدان، فقام صرح العلم، وشُيّدت أركانه، ودونت العلوم بألوانِ مِنَ الصبر العجيب بظمأ الهوجر وسهر الليالي وانقطاع النفقة في بلد الاغتراب والمشاق الناصبة المتعاقبة؛ فنشأت أجيال افتخرت بهم الحضارة الإسلامية في شتى نواحي
الحياة.
حتى انقلبت الموازين، وتبدلتِ الأحوال، فكثرت موارد العلم، وقل واردُها، وطفحت مناهلُ المعرفة، وقلَّ ناهلُها؛ فإذا اتصلت بالحياة الحديثة، ونظرت حال الجيل عن كثب وخالطت الناس، ودرست أحوالهم وأصغيت إلى حديثهم رأيت الأغلبية الساحقة لا يُقيمون للعلم وزنًا، ولا يعرفون للكتاب حقا، اختفت من قلوبهم لذة العلم، وانمحت من أرواحهم الدراسة وحب الكتاب، ولا علاقة لهم بالمكتبة ومجالسة الكتاب فمن قائل: الكتابُ للغبار - رحمه الله - ومِن متحدث بفيه: عُمري أربعون سنة، ولا أملك كتابا - عافاه الله -.
وهكذا صارت الحياة كلها جهادًا في سبيل اللذاتِ مِنَ اللباس والطعام والهرج، وهكذا تنحرُ الأعمارُ إلى غاية الرحيل إلى منازل الآخرة
- والله المستعان -.
أمة العلم والإيمان
وبمناسبة بدء العام الدراسي الجديد نبعث بهذه التوجيهات نرجو أن يكون طرحها حافزًا للهمم، وأن يعيَ كلّ واحدٍ منَّا دوره ليتم ما نصبو إليه من عزّ ومنعة ونصرة ومجد وقوة.
220