النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٣١

المنقحة المسكنة الخطة المرنة

أيُّها الإخوة المؤمنون يرعاكم الله.

إن تحجيم العبادات بمنظور ضيق كسم الخياط ومحاولة المغالبة الخفية لفكر ما زج بالناس إلى الهاوية والجحيم، يتحمل أوزارها الساعون حثيثا إليها أولا، كما تتحمل الشعوب المسلمة المسؤولية ثانياً، لأنها حاملة لأمانة الله تعالى، فلا بُدَّ أن تدافع عن حياضها، وأن تناقش مناقشة علميةً هادفةً لكلِّ إشكال أو خلخة تطرأُ مِن أي فرد أو أي جهة

كانت.

ولما كان هذا الاضطراب الظاهرُ تكرر مراتٍ حتى جعل الناس في حيرة من أمرهم نوجه الحديث في نقاط فاسمعوا الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ

أَحْسَنَهُ أَوْلَبِكَ الَّذِينَ هَدَتْهُمُ اللَّهُ وَأُولَيكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَبِ. النقطة الأولى: ثبت عن النبي () أنَّه قال: " الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه - أي الهلال - فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، وليس قوله () خاصا بشهر رمضان، فقد وقع الإجماع على أنَّ الشهر الهجري لا ينقصُ عن تسعة وعشرين يومًا، ولا يكون أكثر من ثلاثين يوما. النقطة الثانية: يظن بعض المسلمين أنَّ الشهور الهجرية لا بد أن تكونَ متساوية في جميع الدول، وأن الصيامَ والحج لا بُدَّ أن يكونا متحدين، ولا سيما يوم عرفة ويومُ الأضحى، وهذا لا يصح ومردود بأدلة: أولُها: أنَّ الخلفاء الراشدين ما ماتوا حتى انتشر الإسلامُ شرقا وغربا وشمالا وجنوبًا؛ ومع ذلك ما ثبت عنهم أنَّهم كانوا يكتبون إلى الأفاق والبلدان بتعميم حكم الرؤية لتكون متحدة بين هذه البلدان. ثانيًا: لا يصحُ أن تتحد العباداتُ بحال مِنَ الأحوال، فمعلوم أن الشمس تغرب في مكان قبل أن تغرب في غيره، وهكذا الطلوع والفجر وغياب

(1) سورة الزمر الآية: 18.