الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٧٠عباد الله
النقحة المسكية
كشف الواقع قناعه بكل جلاء ووضوح الانفصام الخطير والسد المنيع بين الحكومات والمحكومين، ففي وقت كان الحاكم الصديق (رضي الله عنه) يقول لرعيته: " إني وليتُ عليكم ولستُ بخيركم، إن أحسنت فأعينوني
و
وإن أسأتُ فقوموني "، إلى رجل يقول لأمير الدولة وحاكمها الراشد عمر (رضي الله عنه " لا سمع لك ولا طاعة "، ويحاسبه الرجل على رقعة ثوب، إلى رجل يقول للفاروق: " إن رأينا فيكَ اعوجاجًا قومناه بسيوفنا فيرد الأمير العادل: " الحمدُ لله أن جعل في الأمةِ مَن يقومُ اعوجاجي بسيفه "، هكذا يجب أن تكون العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفقا لضوابط الشرع الحنيف ليستريح الراعي وتستريح الرعية؛ فكل يكمل الآخر ولكن تلاشت هذه العلامةُ، وانصرفَ الحُكّام عن قيود الشرع الحميد، فقالَ أحدهم: " مَن أوصاني بتقوى الله قطعتُ عنقه "، إلى حاكم يقول لرعيته المؤمنة: " لو كان عندي منصب لألقيتُه في وجوهكم"، ويصفُ هذا الشعب الذي يطالب بكرامته بالمجنون ومتعاطي الخمور والكحول، إلى حاكم يُرسل الخيول والجمال لقمع المطالبين بالعزة والكرامة إلى آخر يُرسل الطائرات والدبابات، إلى حاكم آخر امتلأت قصوره وبنوك الأرض بأموال شعبه الفقير المسكين البائس إلى تصريحات تصف الأحرار بالقاعدة والتنظيمات، وأنَّهم صغارٌ أطفال أو دهماء مرتزقة مدفوعون ومجندون من الخارج من جهات أو الشريعة الإسلامية تمنع المسيراتِ، والاعتصامات وهذا كله كذب وافتراء بل هي الحرية التي دعا إليها الاسلامُ على أنظمة الجور والاستبداد.
أيُّها الموحدون
إن الانفصام الذي وقعَ بينَ الحاكم وزمرته والمحكومين عبر عقودٍ مِنَ الزمن فرض واقعًا مريرًا تفشت فيه صنوفُ الفساد الإداري في مرافق الحياة كافة، ولا سيما الدينية منها، واتضخمت حبال الفقر واشتدت
269