النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٨٩

المنقحة المسكنة الخطة المرنة

أيُّها السادة الموحدون

هل فعل المزارعين شيء معقول؟ بالتأكيد إجابتكم: فعل المزارعين شيء غير معقول وغير طبيعي، بل هي البلادة في أنصع صورها لأن طبيعة الشجرة هي طبيعة الشجرة، منذ خلق الله الأرض، فشجرة الحنظل ستعطي الحنظل، وشجرةُ الزيتون ستعطي الزيتون، وشجرة الرمان ستعطي الرمان، فمِنَ الخبال أن نتوهم في شجر الحنظل أن يأتي بأكل الزيتون والرمان. وحال هؤلاء المزارعين هو حالُ حكّام هذا الزمان في ديار الإسلام ووزرائهم ومقربيهم من سدنة الحكم، فقد زرعوا البلايا والرزايا عبر عقودٍ مِنَ الزمن، وتركوا الدين الحنيف خلف ظهورهم، والآن يجنون ما زرعوه مِنَ الحنظل، والقتَادِ، فلو زرعوا الزيتون والرمان من الاهتمام بالإسلام والإصلاح في مرافق دولهم قاطبة، وتطهير مجتمعاتهم من أوحال الخبائث والفسادِ لما دارت عليهم دائرة السوء.

عباد الله

ونحن في زمن يصدق فيه قولُ الحق جل وعلا: {نَصْرُ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) في زمن اجتثاثتِ شجر الحنظل والقتاد وغرس شجر الزيتون والرمان، فإن هذا الغرس لا بُدَّ أن يقوم على قاعدة عريضة هي: المجتمعُ المسلمُ المخلص الغيورُ على محارم الله أن تنتهك، فإذا تأسست هذه القاعدة من صفوة المخلصين لأمتهم، فإنَّه ليس بوسع حكومة أو مؤسسة أو قانون أن يفرض نفسه على هذه القاعدة، بل سترتمي الحكومة ومؤسساتها في حضن الإرادة الشعبية صاغرة. وفي دولة يدينُ أغلب سكانها بغير الإسلام، انتشرت تجارة الخمر والكحول في كلكته، وهي كبرى مدن الهندِ، ومركز الإنجليز آنذاك، وكان أغلب سكان هذه المدينة يدينون بالإسلام، فقام أحد المصلحين مع أصحابه في كلكته بالوعظ والنصح وحذرهم من نقم الله تعالى، وتوبهم عن

(1) سورة الصف الآية: 13.

288