الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩المنقحة المسكنة الخطة المرنة
خجلا واستحياء أن تساوي مِعْشَارَ عُشرها، هذه الجامعة عميدها وإمامها محمدُ بنُ عبدِ الله - صلوات ربي وتسليماته عليه – هذه الجامعةُ خرَّجت علماء الأمة وأبطالها وقادة الجحافل ورجالها، مِن رَحِم هذه الجامعة خرجَ الخيرُ كلَّه، والعزُّ كله، والمجد كله، ولما كانتِ الأمم والشعوب والدول تفتخر بعظمائها، وتبني بهم أمجادها، وتجعلهم سيرة عطرة لأجيلها، لم نجد بُدَّاً من زيارة هذه الجامعة المحمدية لنأخذ تلميذا من تلاميذها الذين ربَّاهم خير الخلق طرا محمدُ بنُ عبدِ الله (صلى الله عليه وسلم) نتحدث عن هذا التلميذ بل البطل الذمر والأسد في براثنهِ لأننا في عصر نحتاج فيه إلى الأبطال فلا نجدهم، وفي عصر نبحث فيه عن أهل القدوة، فلا نجد لهم أثرًا، فقد الجيل القدوة الصالحة، فكان قزمًا مائعا باردًا خائرًا، فكان الرجوع بهم إلى الأصل وقراءة سيرة المصطفى () وأصحابه من الأهمية بمكان، ولا سيما في هذا الزمان.
أيُّها المؤمنون شامة في جبين التأريخ وغرة في ثباتِ المؤمنين، روى أهل السير أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ـ وجه في السنة التاسعة عشر للهجرة جيشا لحرب الروم وفتح بلادهم للإسلام، وقد علم قيصر الروم مِن أخبار جندِ المسلمين، وما يتحلون به من صدق إيمان ورسوخ عقيدة واسترخاص للنفوس في سبيل الله وصبر وبذل للمهج والأرواح في سبيلِ اللَّهِ مَا عَلِمَ؛ عَلِمَ ما أذهله وما أدهشه وما أشده؛ فأمر رجالاته أن إذا ظفروا بأسير من المسلمين أن يُبقوا عليه حيًا، ويأتوه به وشاء الله جل وعلا أن يقع في الأسر عدد من المسلمين من بينهم صحابي جليل قد أدرك معنى العبودية لله - عزَّ وجلَّ - وهو ممن قالَ اللهُ تعالى فيهم: كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (رأه جنود قيصر، وهو في الأسر) يصوم النهار، ويتلو القرآن في جنح الليل، فقليلا ما يهجع راقبوه، فرأوا من
(1) سورة الذاريات الآيات: 17 – 18.
28