النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٠

المنقحة المسكية

تقاه وصلاحه وصلابته ورجولته وعقله ورزانته ما أدهشهم، ورأوا إن كسبوه لدينهم أنهم حققوا نصرًا عظيمًا، ذكروه لقيصرهم، فقال: أُتوني به، فكان الخَبِرُ أعظم من الخُبر)، وجاوزت المعاينة الخبر، وما راء كمن سمعا - كما قيل - نظر إليه قيصرهم، فرأى فيه عزة واستعلا المؤمنين ونجابة الأبطال، فبادره قائلا: أراني أعرضُ عليك أمرًا، قال: ما هو؟ قال: أن تتنصر، فإن فعلت خليتُ سبيلك وأكرمت مثواك، فقال الأسير - في أنفة وحزم - هيهات هيهات، إنَّ الموتَ لأحبُّ إليَّ ألف مرة مما تدعونني

إليه.

•

أيُّها الصالحون الموحدون أنَّى لقلوب خالطتها بشاشة الإيمان أن تعود إلى ظلمات الكفر والضلال، مهما كانتِ الإغراءاتُ؟ أنَّى لقلوب عرفتِ النور حقا أن تتدثر بالظلام مرةً أُخرى؟ يفشلُ العرضُ الأولُ من هذا القيصر، ويتحطم على صخرة الإيمان لأن هذا الرجل امتلأ قلبه إيمانًا، فلم يبق في قلبه متسع لغيره، فقال قيصرهم: لو تنصرت شاطرتك ملكي، وقاسمتُك سلطاني، يريدونه أن يبيع دينه بعَرَض من الدنيا إلى رقّ المركز الذي طالما سال له لُعاب كثير مِنَ الناس فضيعوا حقوق الله في سبيل نيله، فقال له: إخس عدو الله والذي لا إله إلا هو لو أعطيتني جميع ما تملك وما تملكه العرب والعجم على أن أرجع عن دين محمد (صلى الله عليه وسلم) طرفت عين ما قبلت.

الله أكبرُ - أَيُّها الإخوة المؤمنون - يتحطم الإغراء إلى شظايا وفتاتٍ على صخور الإيمان الشم في نفس ذلك الصحابي لماذا؟ لأنه طالب جنةٍ، ولا يمكن أن يُغرى بما هو دون الجنةِ، وليس بأيدهم ما هو أعلى مِنَ الجنةِ ليغروه به، إنَّها سلعةُ الله غالية جدًا، مهرها بذل النفس والنفيس لمالكها

الذي اشتراها من المؤمنين: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم

(1) الخبر: - بفتح الخاء - معناها: السؤالُ. (2) الخبر: - بضم الخاء - معناها: العلم.

29