النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٠٢

أيُّها المؤمنون

النقحة المسكية

لعلكم عرفتُم المقصود، إنَّه الصحابي مُصعب بن عمير بن هاشم القرشي - رضي الله عنه وأرضاه - نشأ مُصعبُ في عيش رغيد وأموال طائلة جدًا مع جمال باهر، ولم يكن بين فتيان مكةَ مَن ظفر على تدليل أبويه بمثل ما ظفر به مصعب، يصفُ المؤرخون شبابه، فيقولون: " كان أعطر أهل مكة "، علم الفتى مُصعب بخبر النبي، ومَن آمن معه أنَّهم يجتمعون في دار الأرقم بن أبي الأرقم، فذهب - على الرغم من حداثة سنه ـ إلى دار الأرقم، فدخل في الإسلام.

لم يكن مصعبُ يحاذرُ أو يخافُ على ظهر الأرض قوة سوى أمه خُناس بنت مالك التي تتمتع بقوةٍ فذة في شخصيتها يهاب بطشها الرجالُ، أخفى مصعب إسلامه عنها، ولكن هيهاتَ عَلِمت بإسلامه، فغضبت غضبا شديدا، وطار صوابها، وجن جنونها (1)، فأوقفته بين عشيرتها وأشراف مكة، فأخذ يتلو القرآن فهمت أن تسكته بلطمة قاسية على خده، ولكن استرخت وترنحت أمام النور الذي تسمعُه فأخذته إلى البيتِ فحبسته في ركن من دارها، وقثرت عليه الطعام والشراب ليرجع عن الإسلام ثم امتنعت هي عن الطعام والشراب، فقالت له: يا ولدي مصعب لن آكل ولن أشرب حتى ترجع عن دين محمد؛ فقال لها هذا الفتى المؤمنُ الذي خالط الإيمانُ شغاف قلبه: (يا أماه ولو كانت لك مائة نفس وأراها تخرج نفسا نفسا ما رجعت عن دين محمد)، فآيست منه فأكلت وشربت، وحتال مصعب لنفسه من سجن أمه، وخرج مهاجرًا إلى الحبشة، فلمَّا عادَ أرادت أن تحبسه مرةً أخرى، فمنعه الله منها، فقالت له: اذهب لشأنك لم أعد لك أماً، فاقترب منها، وقال: " يا أماه إني لكِ ناصح وعليكِ شفوق فاشهدي أنَّه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ الله "، فأجابته غاضبة مهتاجة: " قسما بالثواقب لا أدخل في دينك فيُزرى برأيي ويَضعُفُ عقلي "، فودعها مهاجرا إلى الله

=

(1) جن جنونها: بضم الجيم وفتحها في جن، مبالغة في الجنون

301