النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦

سَكِيَّة الخَطَةُ

وقد أخذت طلائع التوديع للحياة والأحياء والأمواتِ تنبعث انبعاثا وتبعًا من مشاعره)، وتتضحُ بعباراته وأفعاله، وكانت تلك الطلائعُ والإشارات:

أولا: انبعث في قلب رسولنا الرؤوف الرحيم () أمر خفي يُشعرُه أَنَّ مقامه في الدنيا قد أوشك على النهاية، فحينَ بعث مُعاذ بن جبل رضي الله عنه) إلى اليمن في السنة العاشرة مِنَ الهجرة، قال مودعا له: " يا معاذُ إِنَّكَ ألا عسى تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري" فبكى معاذ خَشَعًا لفراق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّمَ). ثانيا: أشار في خطبته المشهورة بحجة الوداع لقرب أجله في مواضع منها، قال في خطبته: " أيُّها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا، وقال لهم: " وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ "، قالوا: نشهدُ أنَّك قد بلغتَ وأديت ونصحت "، فقال: بإصبعه المسبحة يرفعُها إلى السماء، وينكتُها إلى الناس: اللهم اشهد. اللهم اشهد. اللهم اشهد. وبعد أن فرغَ النبيُّ () من إلقاء الخطبة نزل عليه قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا) وعندما سمعها عمرُ بن الخطاب (رضي الله عنه) تحدرت الدموعُ من عينيه، فقيل له: ما يبكيك؟ قالَ: إِنَّه ليس بعد الكمال

إلا النقص.

ثالثًا: إنَّه)) اعتكف في رمضانَ مِنَ السنةِ العاشرة عشرين يوما، بينما كان لا يعتكف إلا العشر الأواخر. رابعًا: دارسه جبريلُ القرآن الكريم مرتين في السنة العاشرة، وكان لا يدارسه في السنوات المتقدمة إلا مرةً واحدةً مِن كلِّ سنةٍ.

(1) سورة المائدة الآية: 3.