الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٠النقح المسكية الخطة المنبرية
فأخذ ينظرُ إليه فعرفتُ أنَّه يحب السواك، فقلت: آخذ لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته له، فأمره على أسنانه وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهَه ويقول: " لا إله إلا اللهُ إنَّ للمواتِ سكرات اللهم هون علي سكراتِ الموتِ" فرفعَ
يدَه وشخص بصره نحو السقف وتحركت شفتاه، فأصغت إليه، عائشة، وهو يقول: " مع الذين أنعمت عليهم مِنَ النبين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى".
إنا
لله وإنا إليه راجعون. ماتَ إمامُ المرسلين، ذهب مأوى المساكين رحل قبلة الطالبين، انتقل سيد السالكين، قضى قرة عين العارفين، تقطع خيط السماء، غادر العطوفُ الشفوق.
وما فقد الماضون مثل محمدٍ ولا مثله حتى القيامةِ يُفْقَدُ وقع هذا الحادث الأليم حين اشتدت الضحى من يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنةِ الحادية عشر من الهجرة، وقد تم له (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاث وستون سنة وزادت أربعة أيام، وتسرب النبأ الفادح، وأظلمت على المدينة أرجاؤها وأفاقها، وضجت بالبكاء، وطاشت العقول، وعَمَّت الحيرة وأغلقت القلوبُ بدمعها المصبوب، وليس لعين لم يفض ماؤها عذر، أمَّا فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانت تقول: يا أبتاه أجاب ربا دعاه. يا أبتاه إلى جنة الفردوس مأواه، أَمَّا الفاروقُ فأذهله الخبر عن صوابه، وتوعد وأشهر سيفه، أمَّا عثمان فأعجم عن الكلام، أمَّا عليّ فلم يُطق الوقوف على قدميه، وأما عبد الله بن أُنيس فأصابه هم وغم حتى ذاب جسده ثم مات بعد ثلاثة
أيام.
أما أبو بكر فكشف عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقبله، وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله طبت حيًّا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرجَ (رضي الله عنه إلى الناس، وقد غمرتهم الأحزان، ورأى