الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٣فلما يئس القيصر أمر أن يُلقى في القدر مع صاحبيه، فلما ذُهِبَ به،
دمعت عيناه، فظنوا أنَّه جزع، فقالوا له: ويحك، ما أبكاك؟ فقال: إنَّما هي نفس واحدة، وقد كنتُ أشتهي أن يكون لي بعدد ما في جسدي من شعرٍ أَنفُس تلقى كلها في هذا القدر في سبيل الله، عندها ردُّوه إلى الأسر ووضعوا معه خمرًا ولحم خنزير، ومنعوا عنه الطعام والشراب، وبقي
ثلاثة أيام يُراقَبُ عله يأكل، فلم يفعل ونثنت عنقه من شدة الجوع والعطش، وأشرف على الهلاكِ فأخرجوه وقالوا له ما منعك أن تأكل أو تشرب قال: أما إن الضرورة قد أحلت لي ذلك، ولكن والذي لا إله إلا هو لقد كرهت أن يشمت أمثالكم بالإسلام وأهله، يالها من كلمات نهديها إلى أحبائنا الذين يخجلون من مواجهة الناس بالتزامهم، تجدون الواحد منهم يوم تلاحقه أعينُ السفهاء بالهمز واللمز والغمز يمشي على خجل وعلى استحياء يتوارى من القوم، إن حامل الحق يجبر غيره أن يخجل منه أو يموت بغيضه، فليتنبه لذلك.
فقال له القيصرُ معجبًا بثباته ورشده وقوة صبره وعقله؛ هل لك أن ثقبل رأسي فأخلي عنك، وكانوا لا يعيشون لأنفسهم قال: وعن جميع أسرى المسلمين، قال القيصر وعن جميعهم. فقال - يسائل نفسه -: عدو من أعداء الله أقبل رأسَه ليخلي عن أسرى المسلمين لئلا يفتنوا لا ضير في ذلك. فقبله فأطلقه وأطلق له الأسرى؛ وأجازه بثلاثين ألف دينار وثلاثين وصيفًا وثلاثين وصيفةً، وقَدِمَ على عمر كالطُّودِ الشامخ، وأخبر عمر الخبر فسُرَّ أعظم السرور، وقبَّلَ رأسَه، وقال: حق على كل مسلم أن يقبل رأسك. رأسُ مَنْ؟
لا أظنُّ أحدًا يجهل مثل هذا الرجل البطل المغوار، إنَّه عبد الله بن الله حذافة السهمي - رضي عنه وأرضاه أقول قولي هذا وأستغفرُ الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنَّه هو الغفور الرحيم. وادعوه يستجب لكم إِنَّه هو البر الكريم.
(1) الوصيف والوصيفة: هما الخادمُ والخادمة.
32