الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٥نقحة المسيَّة الخَظَمُ
الخطبة الخامسة
موت العلماء وهضم حقهم
م اله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي هدمَ بالموتِ
مشيدَ الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذه الدار، فجعلهم أغراضًا لسهام الأقدار، ووكل بهم أمراضا تزعجهم عن القرار، ولم يخص بها الفقراء دون ذوي اليسار، ولم تصب سهامها الأشرار دون السادة الأخيار، بل هي آيات الله عدل بالبادين والحضار أحمده على نعمه، وأعوذُ به من العتو، والإصرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً منجية من عذاب النار، مُبوّأةَ مَن شَهِدَ بها دارَ القرار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله بأيمن شعار وأنور منار وأظهر إعلان وإسرار مؤيدًا بالمهاجرين والأنصار منصورًا بالملائكة المقربين الأبرار، اللهم فصل وسلم على سيدنا محمدٍ وآله وأصحابه آناء الليل وأطراف النهار؛ أمَّا بعد:
فيا أيُّها الناس
بينما المرء يغترُّ في دنياه بلذيذ الشهواتِ، غَرقُ في بحار الغفلات، إذ أتاه الموتُ فجرَّعَهُ مِن مُرِّه كاساتٍ، وألقى عليه من غمه غمراتٍ، فغشيته من كربه سكرات، وأرته من شدته حسرات، فرحل عمَّا كانَ فِيه مِنَ اللذات، وأبكى الآباء والأمهات وأيتم البنين والبنات وجرت على مصابه العبرات، وحمل على الأعناق إلى بطون الفلواتِ، وصار في قبره من جملة الرُّفات، وخلا بعمله مِنَ الحسناتِ والسيئاتِ، ولم ينفعه في لحده غيرُ التقوى والطاعات، وما قدَّمَ مِن بر وصدقات، وأسلف من صلوات ودعوات أفلا يعتبر العاقل بمصرع من قد مات، وقد حوته القبور الدارسات أين
34