الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٦المنقحة المسكية الخطة المنبرية
وكان يخرج به في الظهيرة في صحراء مكة التي تتحول فيها إلى جهنم قاتلة من شدة سخونتها وسموم هوائها، فيطرح في صدره حجرًا متسعرًا كالحميم ينقله مع بعض معاونيه، فيُلقون بها فوقَ جسده وصدره، وهو يردد - أحدٌ أحدٌ - ويقول له أمية: أيُّها العبدُ الأسود لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمدٍ وتعبد اللات والعزّى، فيقول له مغيضًا - وهو في ذلك البلاء - أحدٌ أحدٌ - فيردُّ عليه ابن خلف، وقد تفجَّرَ عَمَّا وغيظًا ويصيح: أيُّ شؤم رمانا بك يا عبد السوء؟ واللاتِ والعُزى لأجعلنَّكَ للعبيد والسادة مثلا، ويقول بلال: ما عندي إلا أحد أحد ولو كنتُ أعلم كلمة تغيظك أكثر منها لقلتُها واستمر النكال حتى يئس أمية منه ورقت قلوب معذبيه، فتنازلوا آخرَ الأمر أن يخلو سبيله على أن يذكر ألهثم بخير ولو
بكلمةٍ واحدةٍ تحفظُ لهم شيئا من ماء وجههم وكبرياءهم فأبى ذلك
أيُّها المؤمنون لقد جعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من هذا العبد الحبشي المستصعف أستاذا للبشرية كلها في فن الصبر على أذى المفسدين وفي فن احترام الضمير الإنساني والدفاع عن حريته وسيادته، فلا من حقوق إنسان ولا من منظمات شرقية ولا غربيةٍ، إِنَّما الإسلامُ القائل: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي عَادَمَ) وعلى الجميع أن يعلم بأن الأنساب والأحساب والقبائل والمال والجاه والسيادة والمنصب لا قيمة لها عندَ الله تعالى وفي ميزان الإسلام، فبلال عبد حبشي أسودُ في رحمة الله، وأمية غني سيد أبيضُ باء بسخط من الله، وقد روي أنَّه قال () لأهل البيت الطاهر: " لا يأتيني الناس ((بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئا" أو كما
قال).
(1) سورة الإسراء الآية: 70.
55