النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٧

فيا صاح أسألُك - فأجبني -: هل رأيت بل هل سمعت بإنسان على وجه

هذه الأرض لم يصب بمصيبة دقت أو جلت حتى في قطع شسع نعله؟! أيُّها الموحدون

كُرب الزمان وفقد الأحبةِ - عمومًا - خطب مؤلم وحدت موجعٌ وأمرٌ مهول مزعج؛ بل هو من أثقل الأنكاد التي تمرُّ على الإنسان، وفي هذه السنةِ التي نعيشها رُزئت الأمة الإسلامية بفقد كوكبة من علمائها وفضلائها ووفاة نخبة من فقهائها ونبلائها؛ وأفول نجم إمام من أئمتها (1) فما إن كفكفت الأمة دموعها ولملمت ضلوعها على فقدِ طودٍ منها حتى رزئت بفقدِ آخرَ في انفراط لعِقدِ متلألاء وضًاء وتناثر لحباتها المتناسقة، وبموت هؤلاء الجهابذة تُطوى صفحات لامعة وسجلات ناصعة.

إن فقد العلماء الربانيين والأئمة المصلحين من أعظم أنواع الفقد على النفوس وقعًا، وأشدها على الأمة لوعة وأثرًا لماذا؟ لأن للعلماء مكانةً عظمى ومنزلةً كبرى، فهم ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل والأمناء على ميراث النبوة.

لماذا؟ لأنَّهم للناس شموس ساطعة وكواكب لامعة، وللأمة مصابيحُ دجاها وأنوارُ هداها؛ بهم حفظ الدين، وبه حُفظوا وبهم رفعت منارات الملة، وبها رفعوا قالَ أصدق القائلين: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ " لماذا؟ لأنَّ العلماء يُحيون بكتاب الله الموتى، ويُبصرون به) (أهل العمى، ويهدون من ضلَّ إلى الهدى لماذا؟ لأنَّ بالعلماء عزّتِ الأمم، وبلغت سامق القمم، وأشيدت صروحُ الحضارات، وقامت الأمجاد، وتحققت الانتصارات، فهم أهلُ خشية الله قال سبحائه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ

العلموا.

(1) إشارة إلى وفاة الإمام غالب بن علي بن هلال الهنائي، وذلك في يوم الأحد بتاريخ 12 من شهر ذي

الحجة سنة 1430 هـ.

(2) سورة المجادلة الآية: 11.

(3) سورة فاطر الآية: 28.

36