الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٨١النفحال المسكنة الخطة المنبرية
محبة والديه فليبحث عن صدقه تحت جناح الذل، وليقرأ بعد ذا من سورة الإسراء قوله تعالى متبتلا خاشعًا: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُيْ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل ربِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا.
ومن أراد الجهاد فعن الكريم () ففيهما فجاهد، أي في الوالدين، ومن أراد بركة في عُمُره ورزقه فليبر والديه، ومَن أرادَ تجارة رابحة، فليتاجر في والديه، وهما حيَّان، إن المسلم الصادق يعتبر كل دقيقة مع أمه وأبيه عيدًا جديدًا له لأنهما من أسباب دخول الجنة، بطاعتهما والإحسان إليهما وكف الأذى عنهما وتقديمهما عن أصحابنا وأصدقائنا وزوجاتنا وبطيب الكلام إليهما وخفضه والابتسام إليهما والإنفاق عليهما؛ وفي زمن الكبر خاصة، وهما من أسباب دخول النار بعقوقهما والمن عليهما وعدم البر بهما وتقديم الزوجات عليهما وعدم اتباع أوامرهما؛ وكيف لا يكون كذلك أيُّها المسلم، وقد حملتك أمك تسعة أشهر حملًا ثقيلا، وحين ولادتها تقاسي بوضعِك ألما شديدًا، وعذابًا وبيلا، وكم مِنَ الأمهات فارقن الحياة في طلقات الولادة، وقد أرضعتك حولين كاملين من صدرها لبنًا، وأطالت لأجلك وسنًا، وغسلت بيديها عنك الأذى، وآثرتك عن نفسها بالغذاء، وصيَّرت حِجرها لك مهدًا، وأنالتك إحسانًا ورفدًا، فإياكَ ثم إياكَ أن تعقها أو تضيَّعَ حقها، أو تظنه في يومٍ واحدٍ من السنة، فتكون من الخاسرين في حياتك، ويوم توفى كل نفس ما كسبت، وكان وعد ربِّك مفعولاً، أمَّا الأبُ الغالي فذلك الموجه القويم، يسعى ويكد ينفقُ بسخاء مِن أجلك، كم قد قبلك، وإذا حضر أقعدك على حِجْرِه وصدره، وإذا خرج تعلقت به كم يبذل لتعليمك وتنشئتك وتغذيتك وتربيتك، فجزاه الله
(1) سورة الإسراء الآيات: 23 - 24.