الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٩٤المنقحة المسكينة الخطة المنبرية
حاجتي، وفي عنقي عِقد من خرز فسقط عني؛ ولا أدري أين سقط؟ فرحت أبحث عنه فوجدته، بينما القومُ الذين يعتنون ببعيري ويقودونه ظنوا
أني فيه، فاحتملوه على عادتهم، وانطلقوا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
أما أنا فرجعت إلى المعسكر الذي ارتاحَ فيه النبي (صلى الله عليه وسلم) والناس، فلم أجد فيه أحدًا مِن داعٍ ولا مجيب، فتلففت بجلبابي واضطجعت مكاني، وقلتُ في نفسي إنَّهم بلا شك سيرجعون إلي عندما يفقدونني، وأنا على تلك الحالة إذ مرَّ بي صفوانُ بنُ المعطل السلمِيُّ، وكان قد تخلف - أيضًا - عن المعسكر لحاجته، فأقبل إلي، وكان رأني قبل أن يُفرض علينا الحجاب، فلما رأني استرجع، وقال: زوج رسول الله ما خلَّفَكِ عن الركب؟ فما كلمته أبدًا، ولا رددت عليه، وأنا في غايةٍ مِنَ التلفف فقرَّبَ بعيره، وقال: اركبي فركبت، وأخذ برأس البعير مسرعًا إلى المدينة.
يا أولي الألباب.
انتبهوا للقصة - (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَبِ. فلما دخل صفوانُ بنُ المعطّل باب المدينة، وفي بعيره عائشة بنتُ الصديق - رضي الله عنها - كان المنافقُ الأكبرُ ابن سلول موجودًا في المعسكر بين قومه الخزرج، إذ كان من جملة الخارجين في الجيش الإسلامي الذي غزى بني المصطلق، فلما رأهما قالَ: والله ما نجت منه ولا نجى منها، ثم قال: امرأةُ نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها، فكانت هذه الشرارةُ الأولى لحادثة الإفك، فانتشرت شرارتها للنيل من عرض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وزوجه الطاهرة الزكية؛ وأنتنت زقق المدينة المنورة من هذا الكذب المبين، وفاحت روائحُ الشَّكِ، وانخدع كثيرٌ مِنَ المسلمين، وخاض منهم مَن خاض متهمين عائشة بارتكاب فاحشة الزنا مع
صفوان، هنا اشتد الحزن برسول الله ()، وتواترت عليه المحن النفسية
و
(1) سورة يوسف الآية: 111.
93