النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٩٥

حَة المُسَيَّة الحُظَنَ

وتكلف صاحب أطهر نفس في تاريخ الإنسانية من الآلالم النفسية ما تنهدُ له الجبال.

الله

هذي الرزية ما من بعدها أبدًا تطرى مدى الدهر والدنيا رزيات والحالة هذه انقطع خبرُ السماء، وتوقف الوحي عن النزول حتى ذلك القلب الكبيرُ النقي الطاهر قلبُ محمدٍ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صار عرضة لنزوع الشك والتحير والقلق، فأعرض عن زوجه عائشة (رضي الله عنها) وامتنع عنها، أَمَّا آل الصديق أمَّا بنتُ الصديقِ أما زوج الصديق أما الصديقُ نفسه ذو الوقار المتناهي والحساسية المرهفة والطيبة الكاملة فكانت مصيبتهم أعظم من أن توصف، وهل هناك أعظم لأبي بكر مِنَ الطعن في عرض ابنته زوج رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أمَّا عائشة فكانَ الدَّمعُ مدرارا من خديها، والنوم فرَّ من عينيها، واستمر الوضعُ متأزما، والظنون تغدو وتروح، والأحزان تلفُ البيت النبوي، والوحي منقطع لمدة شهر كامل، وقد خطب النبيُّ) في الناس، وهو على المنبر قائلا: " أيُّها الناسُ مَن يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلا - صفوان بن المعطل - ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كانَ يدخل على أهلي إلا معي، فقامَ سيد الأوس سعد بن معاذ فقال يا رسول الله: أنا والله أعذرُك إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقامَ سيد الخزرج سعدُ بنُ عبادة وكان رجلا مؤمنًا تقيا صالحا، ولكن أخذته الحمية الخزرجية فقال: كذبت لعمرُ الله لا تقتله ولا تقدر عليه، فثار النزاع بين الأوس والخزرج، واشتدَّ اللَّغَط حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) على المنبر فلم يزل يخفضُهم حتى سكتوا ونزل مِنَ المنبر، وانصرف عنهم () والإرهاق النفسي ظاهر عليه.

اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى

قُوَّتِكُمْ وَلَا نَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ

***

94

(1) سورة هود الآية: 52.