النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٩٨

سَكِيَّةُ الحُظَمُ

الخطبة السادسة والستون

ظاهرة النفاق من خلال معركة تبوك

مراد الرحمن الرحيم

الحمدُ لله الذي أعزَّ الإسلام بنصر تبوك في رجب فعبق مسك الإسلام البليل وهب، واشتدَّ غصنه الرطيب وشب، وتردت راية الكفر ومعها كل قزم جهول ذنب، وتشتت شمل الرُّومان فهم في كل فج وحدب، وانفضح النفاق بكل شين وعجب، ولاحَ سخاء الصديق بفيض العارض اللجب، وهمى مزن الفاروق بمال ونفس يرجو حسن منقلب، وعكر كذب ابن قيس فقد سقط في الفتنة كبب، سبحانه جعل لشوكة الإسلام العز والغلب ولسراب الكفر الديجور والريب، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له شهادة أذكى من الفل والنسرين وأصفى مِنَ الذهب، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله جاء بالمعجزاتِ والكتاب العجب، فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الناهضين إلى أعلا الرتب؛ أمَّا بعد:

فيا أيُّها الناسُ

ذهب نصفُ عامكم هذا وفات، وتقضت أيامه ولياليه وأنتم بصدد طلب اللذات، فما أسرع ما تصرمت منه الأوقات، وما أكثر ما خطبكم لسان حاله بزواجر العظات، وما أطول ما نادى بكم فيه منادي الشتات، وما أكثر ما قيل فيه فلان مات، فطوبى لمن تدارك الهفوات قبل الفوات وبشرى لمن لازم تقوى الله وعملَ مِن الصالحاتِ، وهنيئًا لَن أذهب السيئاتِ بالحسنات، وخيبةً لمن شغلته الملاهي عن طاعة مولاه، وخسرائًا لَمن باع نفيس آخرته بخسيس دنياه، وحسرة له حين تقول كل نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، ألا وإنَّها قد أظلتكم أيام النصف القابل المفتتح بشهر رجب الحرام، وهو إن قام فيكم برهة على سفر فاغتنموا بقية عامكم بصالح الأعمال، ومرنوها لاستقبال شهر رمضان، وتداركوا ما

97