النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٠٠

معاشر الإخوة أتدرون ما هذه الظاهرة، إنَّها ظاهرة النفاق، وقد كانت أكثر أعمال المنافقين بروزًا في غزوة تبوك، أقبل رأسُ النفاق عبد الله بن أبي الذي هو سيد من ساداتِ الخزرج، والمنافقُ الكبيرُ الأول مرتديًا الزي العسكري يلوح بعمامته الشاهقة.

يمشي وقد نُصبت عليه عمامة كالبرج لكن فوق تل نفاق أقبل هذا الرجلُ في جيش لُجب من أصحابه المنافقين على أنَّه جزء مِنَ الجيش النبوي، فلما بدأ الجيش النبوي في التحرك من ثنية الوداع حيث كان يُعسكر لم يستطع ابن أبي صبرًا، وزادَ الحرج في صدره حتى تصعد في السماء، فبدأت ألفاظه تفوح خبثا، ونتانة وهنا أعلن تمردًا على الله جل وعلا ورسوله () مِنَ الجيش، كما قام بتحريض بعض وَحَدَاتِ الجيش الأخرى على التمرد بالرجوع إلى المدينة، وفتح فاه مستهزنا بقوله: (يغزو محمد بني الأصفر - الروم - مع جهدِ الحالِ والحر والبلد البعيد إلى ما لا قبل له يحسبُ محمد أن قتال بني الأصفر اللعب؟ ولكن محاولات هذا المنافق الكبير باءت بالفشل الذريع، فلم يتبعه في الإنسلاخ من الجيش والرجوع إلى المدينة سوى رتله الخاص الذين نافقوا معه من قبل، وكانوا على رأيه.

أيُّها المؤمنون

أتدرون ماذا كان موقفُ النبي (صلى الله عليه وسلم) من هذه الأفعال الشائنة، وهو البعيد النظر والحليمُ الذي لم يبلغ أحد مداه؛ لم يشأ أن يتخذ أي إجراء مهما كان ضدَّ ابنِ أُبي ومن معه من زمرة المنافقين، مع أنه ارتكب

==

جريمة في وقتِ طوارئ وظروف استثنائية، ولو كان ما حدث في الـ العصرية لأنزلت به أقسى العقوبات التي تصل إلى حد الإعدام بمن تثبت إدانته بعمل تحريض يُقصَدُ به الاضرار بالقوات المسلحة، وخاصةً إذا كانت في حالة استنفار واستعداد لمواجهة العدو، وهو ما فعله تمامًا

99