النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٧٧

حَ المُسَيَّة الحُظَنَ

فيا أيُّها الآباء ويا أيُّها الإخوة ويا أيتها الأخوات

بادروا بصالحاتِ الأعمال والتوبة النصوح قبل أفول الثلاثين، فإن ما توعدون لآتِ وإنَّكم في دار هي محل العبر والآفاتِ وأنتم على سفر والطريقُ كثير المخافات، فتزودوا من دنياكم قبل الممات، وتداركوا هفواتكم قبل الفوات، وحاسبوا أنفسكم وراقبوا الله في الخلوات واستكثروا في أعماركم القصيرة مِنَ الحسناتِ، قبل أن يُنادي بكم منادي الشتات، وقبل أن يفجأكم هادم اللذاتِ، وقبل أن يتصاعد منكم الأنين والزفرات، وقبل أن ينادي المقصرُ: (يَلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً يَلَيتَنِي قَدَّمْتُ

لحياتي) ولا ولن وهيهات، وأنيبوا إلى ربكم قبل أن تتقطع قلوبكم عند فراق الدنيا حسراتٍ قبل أن تغشاكم من غمّ الموتِ الغمرات، قبل أن تزعجوا من بيوتكم إلى بطون الفلوات قبل أن يُحال بينكم وبين ما تشتهون من هذه الحياة.

واتقوا الله حق تقاتِهِ فإن فيها النجاة قبل الممات، وتعرضوا لنفحات ربكم فإن له تعالى في أيام دهركم نفحات، وتوبوا إليه فإنَّه يقبل التوبة ويعفو عن السيئاتِ، فَرحم الله أقوامًا بادروا الأوقات وتداركوا الهفوات عيونهم مشغولة بالدمع، وألسنتهم مسجونة بالصمتِ عن فضول الكلمات وأكفهم مكفوفة بالخوف عن تناول الشهوات، وأقدامهم مقيدة بقيود

المحاسبات، فتيقظوا – رَحِمَكم الله - للحاقهم من سنة الغفلات. ألا وإن أشرف ما قُراء في المجامع، وأفضلُ ما التذ به القارئ والسامعُ كلام ربنا الحكيم الواسع، والله يقولُ، وقوله الحق المبين: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَبِحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللَّهَ

(1) سورة النبأ الآية: 40. (2) سورة الفجر الآية: 24.

176