النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٩٦

المنقحة المسكينة الخطة المنبرية

الخطبة الثانية والثمانون حق العلم والعلماء

الحمدُ لله قدَّمَ مَن شَاءَ بفضلِهِ، وأَخَرَ مَن شاء بعدله، لا يعترض عليه ذو عقل بعقلِهِ، سبق كلَّ شيءٍ بعلمه، ولا يعزب عنه مثال ذرةٍ سبحانه وبحمده، نحمده على حَزَن الأمر وسهلِهِ، ونشكره على القضاء حلوه ومره، ونذعن للمخبو في ليله وصبحِهِ، ونستغفره استغفار مقر بذنبه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه شهادة عبده وابن عبده وابنِ أمتِهِ، ومَن لا غنى له طرفة عين عن رحمته، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله إلى خلقه، وأميتُه على وحيه، أشرفُ مَن وطيء الحصى بنعله،) وعلى آلِهِ وصحبه ومَن سارَ على هديه؛ أمَّا بعد:

و

فيا أيُّها الناس

بينما المرء يغتر في دنياه بلذيذ الشهواتِ، غَرق في أبحر الغفلات، إذ هجم عليه هادم اللذات ومفرِّقُ الجماعاتِ، فجرَّعَه من علقمه غايات وسقاهُ مِن صَابِهِ كاسات، وشدَّ عليه بجيش الغمرات وعسكر في روحِهِ بغموم السكرات، وأورثَهَ مِن ضرباتِهِ حسراتٍ، فرحل عمَّا كان فيه مِنَ اللذات، وترك ما خوله الله وراء ظهره من صنوف الزينات، فبكى لجثته الآباء والأمهات وأيتم البنين والبنات، وجرت على مصابه ديم العبرات وحمل من دنياه على الأعناق إلى بطون الفلواتِ، وصارَ في قبره من جملة الرفات، وخلا بعمله مِنَ الحسنات والسيئات، فهو في قبره صائر إلى خُفَر النيران أو روضات الجنات وهيهات أن ينفعه في لحدِهِ غير التقوى

والطاعات، وما قدَّمَ من بر وصدقات، وأسلف من صلوات ودعوات

195