النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٩٧

المنقحة المسكنة الخطة المنبرية

أفلا تعتبرون بمصرع من قد مات، وقد حوته القبور الدارسات أفلا تخشون أهوال القبر وما فيه من الأفاتِ، أفلا تعتبرون بضعفكم في شدة المحاسبات إلى متى هذه الغفلات، وحتامَ الغرور بدنيا عن قريب إلى

فوات (فَاتَّقُوا اللهَ يَتأُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ

امَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. أيُّها الإخوة المؤمنون

يقولُ العزيز الحكيم في محكم الذكر الحكيمِ {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا

(4)

هُوَ وَالْمَلَيْكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَابِمَا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) هذه آيةٌ صادقةٌ من كتاب الله، يحدثُكم جلَّ وعلا فيها عن شرف العلم وكرامة العلماء، ويبين لكم في كتابه الكريم أنَّ لهم عندَ اللهِ منزلةً غاليةً ومكانةً راقيةً وقَدَرًا عظيمًا. وكيف لا يكون العلماء كذلك عند الله، وقد ذكرهم الله شهداء مع الملائكة على صدق وحدانيته وكمال ربوبيته العلمُ أشرفُ من كل شيء حتى مِنَ المال والعقارات، وأعظمُ من كل شيء حتى من الجاءِ والمنصب، وألذ من كل شيء حتى مِنَ الأولاد والأزواج.

و

ولهذا أفنى العلماء فيه أعمارهم، وأنفقوا في جمعه أموالهم، ووهبوا له كل أوقاتهم، وهجروا لينَ الفراش، وتركوا في حبه الراحة ولذيذ المنام ولم يحفلوا بأهل ولا ولد ولا أنهكوا حياتهم بطعام ولا شراب، ولا استهوى قلوبهم رياش () ولا لباس، لأن حبَّ العلم ملك عليهم نفوسهم، واستولى على عقولهم وألبابهم فأيقنوا أن السعادة كلها فيه، وأدركوا أنّ

(1) سورة المائدة الآية: 100

(2) سورة التوبة الآية: 119

(3) سورة يوسف الآية: 90.

(4) سورة آل عمران الآية: 18

(5) رياش اللباس الفاخرُ، الأثاث، المالُ، الحالةُ الجميلةُ.

196