النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢١٠

المنقحة المسكينة الخطة المنبرية

تحبُّ ولدَها حُبًّا جما، تخافُ عليه من نسيم الرياح إذا مرَّ به، وتخافُ عليهِ من حرِّ الشمس لو وقف فيها ولو شيئًا يسيرًا، فلمَّا مَثَل بين يديها، قال لها: يا أماه، قالت له: ما تريدُ يا بُنيَّ؟ فرد عليها يا أماه: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دعا الناس للخروج إلى معركة، وإني خارج معهم، فقالت: يا بُنيَّ، والله إني ليشتدُّ عليَّ فراقك يا بني كن عندي، ولا تذهب، كان الغلامُ يتفجَّرُ الإيمانُ مِن قلبهِ بارًا بوالدته يرجو ما أعده الله تعالى للشهداء الذين قال في حقهم: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ

أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ

170

يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) فما زال الغلامُ يُقبِّلُ رأس أمه، ويُقبِّلُ يديها ورجليها، حتى أذنت له بذلك.

إخوة العقيدة

غَمضًا

هكذا بَرَّ هذا الغلامُ بأمِّهِ ولم يَقْدُم لهذهِ المشاركة إلا بعد موافقة صادقة من أمه، فقالت له أمه الحنون: يا بُنيَّ: والله ما أظنُّني أذوقُ ولا أتلذذ بطعام ولا شراب حتى ترجع إلي، إنَّه الحنان الفياض المدرارُ الذي يسكنُ في صدور الأمهاتِ، فأين من يعقُّ أباه؟ وأين من يعقُ أمه؟ ويعتدي عليهما بالسب والشتم ويرفض الاستجابة لأوامرهما، والحق يقول: {وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي

صغيرا ال

وهكذا قامت هذه الأم الحنون بترتيب ولدها، فألبسته ثيابه بيدها، وشدت عليه سلاحه، وقبَّلت جبينه، ثم مضى من بين يديها، فلما وصل المسلمون إلى ميدان المعركة عسكروا حيث الماء، ثم بدأت فلولُ الكفار

(1) سورة آل عمران الآيات: 169 - 170.

(2) سورة الإسراء الآية: 24.

209