الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٠المنقحة المسكينة الخطة المنبرية
الكثير من المال من أجل الظهور بمظاهر العظمةِ والأُبهة أمام رعيتهم من بَرَاذِين، وخيول، وبغال، وسُرادِقَاتِ، فكانَ أوَّلُ إجراء له بعد توليه الخلافة، هو انصرافه عن مظاهر الخلافة، إذ قُرِّبَت له المراكب، فقال: ما هذه؟ فقالوا: مراكب لم تركب قط، يركبها الخليفة بعد أن يلي، فقال: احملوها إلى بيت مال المسلمين وخرجَ يلتمس بغلته، ونُصِبَت له سُرادِقَات وحجرات لم يَجُلس فيها أحدٌ قطَّ يجلس فيها الخليفة، فقال: ضمُّوا هذه إلى أموال المسلمين، ثم ركب بغلته فوجدَ الفَرَسُ الممهدة له، فأخذ يدفعُ ذلك برجله، وقالَ: ضمُّوا هذه الأموال المسلمين، فجلس على حصير. ولما استخلف عمرُ بنُ عبد العزيز وتسلم مهامه، وفد الشعراء إليه، فاقاموا ببابِهِ أيامًا لا يُؤذن لهم حتى جاء رجل إلى عمر، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن الشعراء ببابك؟ فقال: مالي وللشعراء، ثم قال من بالباب منهم؟ فذكر له أسماء الشعراء، فردَّ الجميع إلا جريرًا سَمحَ له بالدخول، فبدأ يصبُّ قصائدَه يستمطر أموالًا منه، فرد عليه أمير المؤمنين عمرُ ما أَرى لكَ في أموال المسلمين حقًا، قال جرير: بلى يا أمير المؤمنين أنا ابنُ السبيل ومنقطع، فأعطاه من صُلب مالِهِ لا لشعره، وإنَّما لكونه من ابن السبيل المنقطعين، فلما خرج قال له الشعراء ما وراك يا جرير؟ قال: ما يسوكم خرجتُ مِن عندِ أمير المؤمنين، وهو يعطي الفقراء، ويمنعُ الشعراء، وهذا منهج جديد في عهد الدولة الأموية التي عمَّ وطم بها فساد حكامها، فقد كان الشعراء يمدحون ملوك وأمراء الدولة كذِبًا ونَفَاقًا مِن أجل نيل الجوائز السنية، والأموال السخية، وقد أبطل ذلك أمير المؤمنين عمر وقَرَّبَ سابقًا البربري، الذي يعظُهُ وينصحه ويحذرهُ مِنَ الركون إلى
الدنيا، وقد كتب له قصيدةً وعظيةً تأثر بها عمرُ، يقولُ في مطلعها:
باسم الذي أنزلت من عنده السور والحمدُ لله أمَّا بعدُ يا عمرُ إن كنتَ تعلمُ ما تأتي وما تذرُ فكن على حذر قد ينفعُ الحذر كما امتنع عن قبول الهدية، فقيل له: ألم يكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقبل الهدية؟ قال: بلى. ولكنها لنا ومن بعدَنا رَشْوَةٌ، كما أبطل عمرُ أخذَ
229