الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٣١المنقحة المسكنة الخطة المنبرية
الهدايا التي كان الولاة الأمويون يأخذونها، وخاصةً في هدايا النيروز والمهرجان، وأنذر ولاته وعماله من قبول الهدايا والأُعطيات. كما كانت القراطيس الحكومية طويلة عريضةً تُمدُّ فيها الخطوط مدا، فأمر أن تكون قراطيس الحكومة شبرا، ونهى عن المدود، وكتب لأحدِ عماله بهذا الخصوص: (إذا جاءك كتابي هذا فأرقَ القلم، واجمع الخط واجمع الحوائج الكثيرة في الصحيفة الواحدة، فإنَّه لا حاجة للمسلمين في فضل قول أضرَّ بيت مالِهم، والسلام).
ذلك هو شأن أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز - رضي الله عنه ـ في كلِّ أمر يخص مالَ المسلمين وإن قل، فأين صنيع عمر من صنيع أولئك اللصوص الذين يسرقون أموال المسلمين ويرشون ويرتشون.
أيُّها المؤمنون كان أمير المؤمنين عمرُ بنُ عبدِ العزيز هو المجدد الأول للإسلام، بعد أن عكّرَه زيغ بني أمية، وأحيا الصلاح والاستقامة والإيمان في النفوس، وقام بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورفع لواءه، وأعلى شأنه، وجعله المهيمن والمقدم على ما سواه، فلم يكن يكممُ أفواه الرجال عن قول الحق المبين والهدي المستبين لذلك دعا عشرة من فقهاء المدينة، وطلب منهم أن يكونوا عونا له على الحق، وحذرهم من التزلف.
وقد أثرت شخصية عمر وسياسته العادلة تأثيرًا بالغا في حياة العامة وميولهم وأذواقهم ورغباتهم، إذ الناس على دين ملوكهم، وقد وردت في التاريخ مقارنة عهدِ عمر بن عبد العزيز بمن سبقه مِن الحكام السابقين، فكان الوليد صاحب بناء، واتخذ المصانع والصّياع وكان الناس يلتقون في زمانِهِ فكانَ يسألُ بعضُهم بعضًا عن البناء والمصانع، فلما جاء سليمان كان صاحب نكاح وطعام وشارب، فكان الناسُ يَسأل بعضُهم بعضًا عن التزويج والمآكل والمشارب، فلمَّا كانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: كم تحفظ من القرآن؟ ومتى ختمت؟ وما تصومُ مِنَ الشهر؟ ومِنَ