النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٩٤

المنقحة المسكية الخطة المنبرية

وجدير بنا أن نتذكر في هذا الوقتِ امتحان ربِّنا ووقت انتقالنا لنعمل

مثل العقلاء فنفوز ونفلح

أيُّها الناس

من خافَ الوعيد قصر عليهِ البعيدُ،

ومَن

طالَ أمله ضعف عمله، وكلُّ ما هو آتٍ قريب. إنَّ اللهَ لم يخلقكم عبئًا، ولم يترككم سدًا، فتزودوا من دنياكم ما تحرزون بهِ أنفسكم غدًا، فالأجل مستورُ والأمل خادعٌ. نشيع الجنائز، ونمشي معها ونحن في غفلة عنها، نتكلم كلام الدنيا، ونرى مواكب الأمواتِ

تمرَّ بنا فلا نفكرُ ولا نعتبرُ ولا نقدر أننا سنموت كما ماتوا، وماتَ مَن كان أصح منا، وكان أشد منا قوةً وأكبر سلطائًا وأكثر أعوانًا، فما دفعت عنه الموتَ صحته ولا حماه منهُ سلطانه ولا أعوانه نعرف بعقولنا إنّ الموتَ كأس سيشرب منها كل حي، ولكننا ننسى هذه الحقيقة بشعورنا وعواطفنا وتحجبها عنا شواغل يومنا، وتوافه دنيانا، يقول كل واحدٍ منا بلسانه إن الموتَ حقّ، وإنَّه مقدر على كل حي، ويقول بفعله لن أموتُ لقد كتب الموتُ على كل نفس إلا نفسي، فلا تزال في العمر فسحة، ولن يأتيني أجلي أبدًا.

أيُّها الإخوة

و

أهل الغفلة أعمارهم عليهم حجة، وأيامُهم تقودهم إلى شقوة، كيف ترجى الآخرةُ بلا عمل وكيف تكون التوبةُ لمن طالَ به الأملُ. يا أهل الغفلة

هذه الدنيا كم من واثق فجعته، وكم من مطمئن صرعته، وكم من مختال أذلته، وكم من غني أفقرته، أتدرون يا من ثقل عليكم ذكر الموتِ ويا من مللتم من التذكير بهِ: يقول رسولكم): " أكثروا من ذكر هادم اللذاتِ ". كلام مختصر وجيز، فمن ذكر الموتَ حاسب نفسه، ولكنا ونحن أهلُ الغفلة نحتاج إلى تطويل الخطاب، وتزويق الألفاظ، لقد وقف نبيكم) على شفير قبر، فبكى حتى بل الثرى، ثم قال: " يا إخواني لمثل هذا

فأعدوا ".

293