الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨إخوة العقيدة
النقحة المسكية
يمرُّ مِن بينكم حدث خطير مهم، كان فاتحةً حميدة لرفعة الإنسانية وتحويلها لفلكِ السعادة بعد حياةِ التيهِ والضياع، إنَّه حدث ولادة الحبيب الله محمد بن عبد)، ومع اختلافِ العلماء في تحديد السنة والشهر واليوم لولادة هذا الحدثِ؛ نقول: بأنَّ اختلافهم هذا لا يعنينا في قليل ولا كثير بقدر ما تنفعل لنا مضامينُ هذا الحدث، ونستوحي الدروس والعبر ونراجع الصادر والوارد، ونقوم بجردٍ شامل لمواضع الزلل والعطب، التي جعلت أمة الحبيب في محلها هذا، ومع كثرة الدروس والعبر المستفادة من هذا الحدث نقتصر على وقفات لا بُدَّ منها:
الوقفة الأولى: طريقُ العيان أقرب إلى اليقين، فلا ينقاد الناس إلى الهداية إلا بالصورة الحياة العملية التطبيقية لأخلاق خير البرية تشهد بذلك الحديبية حين أمرَ رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) أصحابه بالفعل مع علمهم أنَّه لا ينطق عن الهوى، فترددوا ثم عمل () فتتابعوا بالعمل، اقتداء بالحبيب، وكأنهم غيرُ مَن كانوا).
الله
قد كان قرآنًا يسيرُ أمامهم وبه اقتدوا فأضاءتِ الأفكار وهكذا كان أصحابه) يقلدونه حذو النَّعل بالنعل والقُدَّةَ بالقُذَّةِ.
أما واقعنا فيشهد عليه طبيب غربي درس الإسلام فأحبَّه، ودخل فيه ثم سافر إلى ديار المسلمين ليستفيد في مجال التطبيق، فجال في شمال
(1) اغتم الصحابة - رضوانُ اللهِ عليهم - مِن شروط صُلح الحديبية، ونظروا إليها أنَّها مجحفة في الظاهر ولا سيما بعد أن أمرهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بالتحلل من عُمرتهم، إذ اعتراهم الوجومُ والذهول، ولم يبادورا إلى تنفيذ ما أمرهم به) كعادتهم، وقد أمَّلوا أن يذبحوا هديهم، ويحلقوا رؤوسهم في رحاب الحرم، فلما رأوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قامَ وذبح بَدَنَةً، وحلق رأسه بعد مشورةِ أم المؤمنينَ أمّ سلمة هند بنت أبي أُمية المخزومية قاموا فنحروا وحلقوا وآمنوا بالله وصدقوا وعده وأطاعوا نبيه؛ وأُمضي الصلحُ، وكان في ذلك الخير والفلاح للإسلام والمسلمين (2) ريشةُ الطائرِ كالنسر والصقر بعد تسويتها وإعدادها لتركب في السَّهم؛ وهو مثل يُضرب للشيئين
يستويان ولا يتفاوتان