الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٠النفحال المسكنة
الصورة الأولى: لما اجتمع النبي (صلى الله عليه وسلم) في دار الأرقم ألح أبو بكر) في الظهور وعدم الاختفاء، فقال النبيُّ)): يا أبا بكر، إنَّا قليل فلم يزل أبو بكر مُلحًا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لإظهار الإسلام حتى وافقه على ذلك؛ فقامَ أبو بكر خطيبًا في الناس، ودعا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فهو أول خطيب دعا إلى الله تعالى، فثار عليه المشركون فضربوه ضربا شديدًا، ووطئ أبو بكر بالأرجل، ثم قام عتبة بن ربيعة - أخزاه الله - فضرب أبا بكر بنعلين مخصوفتين على وجه، ثم ينزو على بطنه ويسيل دمه حتى ما يُعرفُ أنفُه من وجهه - رضي الله عنه ـ فجاءت بنو تيم قومُ أبي بكر، وهم لا يشكون في موته لكثرة الضرب الذي لحقه، فقالوا: لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة ثئرا لأبي بكرٍ.
أما أبو بكر فمغمى عليه لا يتكلم بكلمة إلى أن فاق آخر النهار، أتدرون – يا عباد الله – بم تكلَّمَ؟ قال: ما فعلَ رسولُ الله؟ فما أكل ولَا شرب حتى عَلِمَ أَنَّ رسولَ الله بخير في دار الأرقم، فخرج إليه يتكى، فلما رأه رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) قبَّلَه ورَقَ له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رقة شديدة
أيُّها المسلمون إن أبا بكر لم يفضل الناس بكثرة صلاةٍ ولا صيام، وإنَّما فضلهم بشيء وقر في قلبه إنَّه الإيمان، خرج أبو بكر وعُمُرُه في الإسلام لا يتجاوز بضعة أيام، وبعد أيام يعود وقد أسلم على يديه ستة من كبار الصحابة، يعود، وقد أسلم على يديه عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن وأبو عبيدة؛ أرأيتم عطاء للإسلام كهذا العطاء، قد يعيش الواحد منا ستين عامًا أو سبعين عامًا لكنَّها - والله - لا تعدلُ في ميزان الحق ساعةً من ساعات أبي بكر قد لا يكون الصديق قد حفظ بضع سورٍ مِنَ القرآن في ذلك الوقت، وبعضُا يحفظ القرآن، ويحفظُ مِنَ السنةِ الكثير، ويستمعُ
(1) مخصوفتين مخرزتين بجلد أو غيره.
(2) ينزو: يثب.
89