الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٩=
29
الباب السادس: الملكية الذهنية (الفكرية)
الفقه الإباضي
وكان الحاضرون من وزراء السلطان وخواصه فأدركهم من الجزع ما كدر راحتهم إذ رأوا السلطان مسايرًا لنفات في أمر الديوان، فقالوا له بعد خروج نفات: كيف يصح لك يا أمير المؤمنين أن تأذن في نسخ الديوان؟ وهو معدود من مهمات خزانتك وغرائبها، حيث أنه لا يوجد في غيرها قط، وهذا مما لا نرضاه منك، فتنبه إذ ذاك وندم وقال: إني قد وعدته، ولا
ذلك
كذا ويكتب
يمكن لي الرجوع في كلامي فانظروا لي وجها مناسبًا لا يحط بشرفي، وأمنعه به من فقال له أحد الوزراء: إذا رجع إليك فأعلمه بأنك موف له بالوعد، إلا أن مدة النسخ لا يمكن أن تتجاوز يومًا وليلة، فإنه إذا سمع منك ذلك ترك الطلب، لأن هذا القدر من الزمن لا يغنيه شيئًا، فاستصوب السلطان هذا الرأي، وأرسل في الحال إلى نفات يعلمه بذلك، ففطن نفات لهذه المكيدة وأدرك أن المسألة دبرت على أثر خروجه من عند السلطان، فرضي بالشرط، وذهب فاشترى ما يكفيه بالتقريب مدادًا وأقلاما وورقًا وصنع أحواضا مجصصة بالجير مصففة على هيئة يتمكن بها من الكتابة كل ناسخ. ثم أمر مناديه فنادى في المدينة بأن كل من يحضر إلى المحل الفلاني في يوم طول: يومه فله دينار، وللذي يملي عليه نصف دينار، فاجتمع له خلق لا يحصى وشرعوا في الكتابة إلى الليل وقبل انتهاء وقت هؤلاء نادى المنادي أيضًا من يكتب ليلته هذه فله ديناران، ولمن يملي عليه دينار، فبقي من الأولين من بقي، وخلف من ذهب غيره، واستمروا في الكتابة، وما طلعت الشمس حتى تم له نسخ تسعة أجزاء، وبقي له جزء واحد منعه السلطان اتمامه لانتهاء الوقت المحدد المأذون به، فأستأذن عليه ودخل فطلب منه أن يتصفحه مرة واحدة، ويرده فسلمه له، وبعد أن أتمه سردا قال له قد حفظته وإن أردت أن أقرأه عليك لتعلم صدقي فعلت، فتعجب الخليفة من ذلك وأمره بقراءته فقرأه إلى آخره بحيث لم يترك منه شيئًا قط.
من
ثم إن الخليفة جمع وزراءه، وقال لهم قد أعيانا أمر هذا الرجل، وما قدرنا له على حيلة، وها هو قد أتم الكتاب، وأراد السفر، لا بد لنا من رأي نتوصل به إلى سلبه منه، فأشار كل برأيه، ثم قال هو: إني سأسأله عند خروجه إلى سفره عن أسئلة فإن عجز عنها سلبته منه بوسيلة أنه ليس له بأهل، أو قتلته، وإن أجاب فاسألوه أنتم واحدًا بعد واحد، حتى يعجز فنفعل به ما ذكرناه، فاتفقوا على ذلك وافترقوا، ولما بلغهم أن نفاتًا برز برحلة للسفر حضروا ومعهم الخليفة بصورة أنهم يودعونه، وابتدأوه بالأسئلة المتتابعة زمنًا طويلة، حتى تنبه إلى أنهم ما فعلوا ذلك إلا لقصد إرجاع الديوان منه. ولما رجعوا ولم يقدروا له على شيء أجمعوا على أن يرسلوا وراءه من ينتزعه منه، فتحذر هو وحاد عن الطريق المعروف فلم يدركوا له أثرًا، وتوجه إلى مكة ثم منها إلى طرابلس، ولما
بلغها سأل عن الأحوال فوجدها قد تغيرت ووجد دولة الإمام في قوة عظيمة ونفوذ كامل،