الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٦٣الباب السادس: الملكية الذهنية (الفكرية)
الفقه الإباضي
63
كذلك بحث فقهاء الإباضية مسألة الوصية لمن يعلم القرآن. وأخذوا بقاعدة: «الوصية لمن يعلم القرآن يعطاها المعلم، ولو كان يعلم بمال المدرسة، أو أجرة من المتعلمين». فالمال يعطى للمعلم ـ في هذه الحالة ـ على سبيل الوصية لا الأجرة).
شدد جماعة من علمائنا المتقدمين في أخذ الأجور على تعليم القرآن الكريم، وقالوا بأن القرآن لا يكتسب منه، واعتبروا ذلك من اشتراء الثمن القليل بالقرآن العظيم، ولكن من المعلوم أن الناس عندما كانوا لا يتقيدون عندما يقومون بتعليم القرآن بأوقات معينة، لأن هذه الأوقات يقضونها في التعليم من غير أن يتفرغوا فيها للعمل والكسب كان الأمر سهلاً، إلا أن نمط الحياة تغير وطبيعة الإنسان تغيرت ومن المعلوم أن الجهاد في سبيل الله سبحانه عمل شريف يقرب العباد إلى الله، وهو من أعظم القربات التي تقربهم إلى الله الله زلفي، ومع هذا لم يكن هناك مانع من أن ينتفع الناس من وراء هذا الجهاد بالغنائم التي يحرزونها، فقد أباح الله بسم الله الغنائم عندما يكون الجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة الله بين المسلمين والمشركين من أموال أولئك المشركين مع اشتراط إخراج الخمس: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى﴾ [الأنفال: 41]، إلى آخر الآية الكريمة، وهذا يدل على أن العمل الأخروي عندما يعمله الإنسان ولا بد من أن يتفرغ وينقطع له، لا يمنع من أخذ شيء مقابل هذا التفرغ والانقطاع، وإلا لأدى ذلك إلى تعطيل الأعمال، فلو أن القائمين على تعليم القرآن وتعليم علم الشريعة وعلى أمور البر والإحسان أن يتخلوا عن أي أجر دنيوي وأن يكونوا متفرغين لأعمالهم من أجل الأجر الأخروي فحسب، فلا ريب أن هذا سيؤدي إلى تعطيل هذه الأعمال بأسرها، ومقاصد الشريعة تعتبر، فمقصد الشرع الشريف المحافظة على مصالح الناس الدينية والدنيوية، وبهذا تتعطل المصالح الدينية، ويتبعها تعطيل المصالح الدنيوية، فلا ينبغي التشدد في مثل ذلك، ولاسيما لمن عاش في مثل هذه العصور، وأبصر ما أبصر من تطورات الأزمان وتغيرات الأحوال، إنما الذي يطالب به الذي تبرع بالتعليم وبالدروس إلى الناس ليتعلموا منه أمور دينهم ويتدارسوا عليه كتاب ربهم الله ويتحفظوه، أن يخلص النية لله تعالى، بحيث لا يقصد مجرد ذلك العطاء القليل الذي يعطاه، فإن ذلك العطاء لا يساوي شيئًا بجانب الثواب العظيم الذي أعده الله لمن أحسن صنعا، وأخلص النية لله ل فهذه عبادة عليه أن يكون متقربًا بها إلى الله، وإنما يعتبر العطاء بلغة له، ليتمكن من القيام بهذا العمل الشريف».
طلب منهم
الشيخ
أحمد
سخانه
273 - 274
حمد الخليلي: الفتاوى - المعاملات، ج 3، ص بن انظر أيضًا الرأي بخصوص استئجار قراءة القرآن (ذات المرجع، ص 260). (1) السعدي: قاموس الشريعة، ج 47، ص 222.