أحكام القانون التجاري في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٣٢٧

الباب الثامن تسوية المنازعات التجارية في الفقه الإباضي

327

وروي أن قريشًا هدمت الكعبة، فلما بلغوا الحجر الأسود أرادت كل قبيلة أن ترفعه، حتى تواعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار وبنو عدي جفنة مملوءة دمًا فأدخلوا أيديهم فيها، وتحالفوا على الموت، وأقاموا أربع ليال على ذلك، ثم اجتمعوا وكان أبو أمية بن المغيرة يومئذ سيد قريش فقال: «يا معشر قريش اجعلوا فيما تختلفون فيه أول من يدخل عليكم من باب هذا المسجد أن يقضي بينكم، فرضوا بذلك، فكان ذلك الشخص هو النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه الخبر، فقال: «هلموا إليَّ ثوبًا، فجاءوا به فبسطه ثم أخذ الركن فلفه فيه، ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم، ارفعوه ففعلوا جميعًا، حتى بلغوا موضعه، فوضعه النبي صلى الله عليه وسلم في موضعه، فكانت الكعبة كذلك.

60

كذلك من أمثلة التحكيم في مسألة تتعلق بغير المسلمين، ما حدث حينما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاء إليه اليهود وحكموه في رجل وامرأة زنيا بعد الإحصان (3). فهذا أيضًا مثال حي على التحكيم في المنازعات الدولية الخاصة. لذلك في تفسيره لقوله تعالى (بخصوص هذه الواقعة {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ .. ) [المائدة: 43]، يقول أطفيش:

وكيف استفهام تعجيب أو توبيخ أو إنكار للياقة ذلك عقلاً وشرعا يُحَكِّمُونَكَ) يجعلونك حاكما بينهم ويرضون بحكمك {وَعِندَهُمُ التَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ) لم لا يقتصرون على حكم التوراة وقد كفروا بك؟ هذا وجه التعجيب، ووجه آخر في قوله: «ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ) عن حكمك مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ من تحكيمهم إيَّاك وحكمك، ووجه آخر هو رجوعهم إلى حكم يعتقدون أنَّه باطل، وذلك كما حكموك في المحصنَيْنِ وحكمت بالرجم فأبوا، وما تدري ما السبب، وهو طلب ما هو أسهل مع اعتقادهم أن يقولوا الله: «عملنا بفتوى نبي»، وكثيرًا ما يكون التعجيب أو التعجب مع معرفة السبب.

(1) الشيخ أبو عبيد السليمي هداية الحكام إلى منهج الأحكام المرجع السابق، ص، (2) أطفيش: تيسير التفسير، ج 4، ص 40 ـ 41.

189 - 188